الاثنين، 26 مايو 2014

الاختصاص القضائي العالمي وغياب المحاسبة (1)

الاختصاص القضائي العالمي وغياب المحاسبة (1)
الاختصاص القضائي العالمي واستعماله الميداني هما محطا جدل كثيف في بداية هذه الألفية، فانطلاقا منه رفعت الشكاوى ضد بينوشيه وشارون وحسن حبري وغيرهم، مما تطلب إعادة نظر على عدة أصعدة. سنتفحص هذا المفهوم بالنظر لعلاقته بحماية حقوق الإنسان الأساسية كوسيلة لمكافحة غياب المحاسبة.
ممارسة واحتمالية الإفلات من العقاب يشجعان على انتهاك حقوق الإنسان، خاصة عندما تحمي الدول ذلك، إن بالامتناع عن الملاحقة أو بأي شكل كان بما فيه الإجراءات التشريعية الداخلية كصدور عفو على سبيل المثال.
من البديهي أن متابعة المجرمين وشركائهم لتحمل مسؤولية أعمالهم هو واجب الدولة كي يسترد الضحايا كرامتهم عبر الاعتراف بآلامهم. فمنذ الحرب العالمية الثانية يتزايد الاهتمام بمكافحة الإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية والتي تعد جرائم دولية. فميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين وإعلان وبرنامج عمل مؤتمر فيينا (خاصة الجزء الثاني منه، فقرة 91)، والقرار 68|2000 الصادر بتاريخ 26 نيسان/أبريل 2000 للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والمتعلقة بغياب المحاسبة، تشير كلها لأهمية مكافحة الإفلات من العقاب.
مبدأ الاختصاص القضائي العالمي هو وسيلة تهدف لمكافحة غياب محاسبة المجرمين يمكن أن يلجأ لها قاضي أي بلد. ويمكن تعريفه على أنه مبدأ يعطي لأي جهاز قضائي وطني صلاحية محاكمة ومعاقبة من يرتكب جريمة من الجرائم التي لا يقبلها الضمير الإنساني، بغض النظر عن مكان ارتكابها وجنسية فاعلها أو ضحيتها.
سوف نركَز فيما يلي، بعد ملاحظات الأولية (1) على أصول مبدأ الاختصاص القضائي العالمي (2) وأهميته في مكافحة الإفلات من العقاب (3) ثم مدى وشروط استعماله (4) لنتطرق بعد ذلك لمعوقات استعماله الفعلي (5) قبل الوصول للخلاصة (6).

1.    ملاحظات أولية
.1.1  الاختصاص القضائي العالمي والاختصاص القضائي التقليدي
يحدد عادة الاختصاص القضائي العادي تجاه الجريمة بمعيار السيادة الوطنية، أي السيادة الترابية والبحرية والجوية للدولة, كذلك بمعيار الجنسية، عندما ترتكب الجريمة خارج الدولة، لكون المتهم أحد رعاياها (اختصاص شخصي إيجابي) أو المجني عليه (اختصاص شخصي سلبي). هناك شواذ على القاعدة في حالة الجرائم الكبرى التي تخضع حينها لمبدأ الاختصاص القضائي العالمي رغم غياب عناصر التبعية الوطنية المادية منها والشخصية. على هذا الأساس يمكن للقاضي المحلي أن ينظر في الجرائم المقترفة في الخارج من قبل أو ضد من هم من غير مواطنيه.
.2.1  تعدد القضاة المختصين
من نتائج مبدأ الاختصاص القضائي العالمي تعدد القضاة أو الأجهزة القضائية الوطنية التي يمكن لها أن تحاكم الجاني على أساس نفس الجريمة. بحيث يصبح الجاني موضوعا للقانون الدولي ويمكن أن يلاحق ويحاكم ويحكم عليه أمام هيئات قضائية متعددة. فاختصاص عدة قضاة محليين له ما يبرره عندما يتعرض المرء لجريمة كبرى تصدم الضمير الإنساني. أما خطر تعدٌد الاختصاص القضائي فيتم تجنبه باحترام مبدأ عدم المحاكمة أكثر من مرة على نفس الفعل (أي ne bis in idem) أخذا بعين الاعتبار للأحكام الصادرة على الجاني في بلد أجنبي. إن قاعدة "قاضي المجرم أو سلٌمه لمن يقاضيه" (أي:aut dedere aut punire) تتجنب هذا الإشكال أيضا عندما تفرض على الدول تسليم الجاني عندما لا تحاكمه.
.3.1 الاختصاص القضائي العالمي والاختصاص القضائي الاستثنائي
لم تكن المتابعات القضائية في العديد من الدول (مثل الدانمرك و فرنسا و بلجيكا وألمانيا, الخ) ضد المشتبه بهم لارتكابهم جرائم عالمية في جمهورية يوغسلافيا السابقة أو رواندا مؤسسة على مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، بل أجريت المتابعات بموجب قوانين خاصة أو استثنائية تتعلق بتعاون الدول الحتمي مع المحكمتين الجنائيتين الدوليتين الخاصتين. خلافا عن المحكمة الجنائية الدولية والتي تعدٌ بموجب قانونها الأساسي ثانوية وتابعة للمحاكم الوطنية فإن المحكمتين الجنائيتين الدوليتين لهما أولوية. مثال على ذلك هو تخلٌي العدالة الوطنية اليوغسلافية عن قضية ميلوسفتش لصالح المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا بناءا على طلب الوكيلة العامة كارلا دل بونتي مباشرة.
.4.1  القانون الجنائي الدولي والقانون الدولي الجنائي
هنالك فرق يتعين الانتباه إليه. القوانين الوطنية الداخلية تخضع لسلم تراتبي وتبعي بما في ذلك القانون الجنائي، بينما القانون الدولي هو قانون مساواة وقانون توافقي. وبين القانونين الوطني والدولي تنسيق لا بدٌ منه.
1.4.1  القانون الجنائي الدولي
يصدر هذا الصنف من القوانين عن التشريع الوطني ويرمي إلى فك النزاعات الميدانية أو السيادية بين القوانين والاختصاصات القضائية عندما تحتوي قضية ما على عنصر أو عناصر أجنبية خارجة عن سيادة الدولة. حيث من الضروري أن تتعايش الأنظمة القانونية والقضائية الوطنية المختلفة.
.2.4.1 القانون الدولي الجنائي
يصدر القانون الدولي الجنائي عن قرارات واتفاقيات دولية وأيضا عن العرف الدولي المعتاد العمل به دوليا. لأن من طبيعته أنه من النظام العام يكون القانون الدولي الجنائي نتيجة اتفاق تحكيمي عسير كما كان الحال بالنسبة لتعريف جرائم القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وتبقى عادة لكل دولة صلاحية تحديد كل من عقوبة الجريمة وقواعد إجراءات المتابعة والمحاكمة التي تحتكرها السلطات التشريعية والشرطية والقضائية الداخلية.
يكون استخدام أو استعمال الاتفاقيات الدولية التي تصادق عليها الدولة مباشرا في الأنظمة القانونية "الأحادية" أو بعد المصادقة، ثم دمجها ضمن المنظومة القانونية الوطنية في الأنظمة القانونية المزدوجة (مثل الدانمرك وبلجيكا والمملكة البريطانية المتحدة, الخ). وتعطي دساتير دول الأنظمة القانونية  "الأحادية" عادة للاتفاقيات الدولية أولوية بالنسبة للقانون الوطني (نجد مثال ذلك في فرنسا وهولندة والجزائر, إلخ.) أو قوة موازية للقانون الوطني في سلم القواعد (مثل جمهورية مصر).  
.3.4.1 استخدام الاختصاص القضائي العالمي مقتصر على "الجرائم الخطيرة"
يكون استعمال الاختصاص القضائي العالمي مبرٌرا في مواجهة الجرائم ضد الحقوق الإنسانية الأساسية كونها تجمع حسب تعبير البروفسور فريدريك سودر على "خاصية بشرية غير قابلة للتصرف يرجع أصلها إلى مبادئ نجدها في موروث كل الثقافات والأنظمة الاجتماعية".
حقوق الإنسان هي في الواقع حقوق متغايرة وظرفية وغامضة ووحدتها شبه وهمية. فهي نتاج تبادل حضاري وثقافي وفكري لآلاف السنين تبلور أخيرا في عبارات ليبرالية غربية, فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة  1948 هو نتاج أغلبية أنظمة غربية كانت موجودة في الأمم المتحدة آنذاك، بينما الأغلبية الآن في نفس المنظمة مكونة من دول جديدة من آسيا وإفريقية لها موروث ثقافي وفلسفي وإيديولوجي ثمين متغاير, وعندما يكون الحوار من صلب الحقوق الإنسانية يصبح من الحق بمكان أن نعترف بنسبية عالمية حقوق الإنسان كما يعبٌر عليها الآن. للسبب ذاته لم تكن توجد آليات فعٌالة لحماية هذه الحقوق عندما كان للولايات المتحدة الأمريكية قانون داخلي عنصري يميز بين الأبيض والأسود وكان للأنظمة العظمى المتسلطة على الشعوب المستعمرة نية لاستدامة الوضع على حاله بينما كان في الاتحاد السوفييتي دكتاتورية الحزب الواحد وسياسة "الغولاغ" لتغييب المعارضين.
انتظرت البشرية لما بعد الحرب العالمية الثانية لتتٌفق على المادة 3 المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربعة التي تمنع بعض الجرائم "في كل زمان وفي كل مكان". وأدخلت اتفاقية فيينا المعقودة في 23 مايو/أيار 1969 و المتعلقة بقانون العهود الدولية مبدأ: "بطلان نصوص الاتفاقيات الدولية التي تتعارض مع قاعدة إلزامية تابعة للقانون العام الآمر (أي ius cogens), إن الاتفاقية الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 تتضمن بعض الحقوق التي يمنع المساس بها في كل الظروف بما في ذلك حالات الطوارئ القصوى والاستعجال وحتى في حالة الحرب. ثم جاء القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ليركٌز في مادتيه 1و5 ويحدد اختصاصها موضوعيا (ratione materi) لما يسمى بنواة الجرائم، أي الجرائم الخطيرة التي لها بعد دولي. ونعتبر من جانبنا أن الحقوق الإنسانية الأساسية هي التي يوصف التعدي عليها بالجريمة الجنائية الدولية والتي يحقٌ استعمال الاختصاص القضائي العالمي لحمايتها ويكون ذلك مبرٌرا.
.2  أصول مبدأ الاختصاص القضائي العالمي
للمبدأ أصول ومبررات أدبية وأخلاقية ودينية إلخ. سوف نهتم بالأصل القانوني للمبدأ، وعنينا في هذا الصٌدد الأساس الإرادي للدول ثم أصل العرف الدولي.
.1.2  إرادة الدول
.1.1.2  الإرادة المنفردة للدول
عموما لا يوجد مانع لأن تحدٌد أية دولة بإرادتها المنفردة مساحة أو مجال اختصاص قانونها ومحاكمها عندما تعتبر أن مصالحها مهدٌدة.
.2.1.2  الإرادة المشتركة للدول
تتٌفق الدول فيما بينها أو في إطار الأنظمة الحكومية المشتركة.
.1.2.1.2 إرادة الأنظمة الحكومية المشتركة
لمٌا تعبٌر بعض الحقوق عن "الأخلاق الدولية الرسمية" تكون حينها موضوع قرارات الأمم المتٌحدة أو اتفاقيات دولية متعدٌدة الأطراف. مثال من أمثلة قرارات الأمم المتٌحدة هو إعلان حماية كل إنسان من الاختفاء القصري والذي أسٌس لمبدأ الاختصاص القضائي العالمي. أيضا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المسمى "مبادئ التعاون الدولي فيما يتعلٌق بمتابعة وإلقاء القبض وتسليم ومعاقبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية". لقد سبق لمحكمة العدل الدولية (Cour Internationale de Justice)  اعتبار أن لقرارات الجمعية العامة للأمم المتٌحدة طابع تنظيمي وأنها تعدٌ بيٌنة لوجود رأي قانوني معتبر (opinio juris).
.2.2.1.2 الالتزام التعاقدي بين الدٌول (اتفاقيات ثنائية أو متعدٌدة الأطراف)
تؤسٌس - صراحة أو ضمنيا - بعض الاتفاقيات الدولية متعدٌدة الأطراف مبدأ الاختصاص القضائي العالمي عندما تلزمها باتخاذ تدابير قانونية لتجريم بعض التصرفات ومتابعة مرتكبيها. بيد أن الالتزام التعاقدي ليس كافيا دائما رغم أن القانون الدولي يلزم الدولة الموقعة على تنفيذ التزامها بحسن النية (التزام بالنتيجة). وتبقى الدولة صاحبة القرار في اختيار الوسائل المؤدية للتنفيذ إلاٌ في حالة اتفاقية ذات طابع تنفيذ تلقائي (self executing).
1.2.2.1.2 اتفاقيات جنيف الأربعة و البروتوكولين 1و2   الملحقة بها
تؤسس هذه النصوص لمبدأ الاختصاص القضائي العالمي لمكافحة الجرائم الخطيرة ضد الحقوق الإنسانية أثناء حالات النزاعات المسلحة الدولية أو الأهلية. التزمت ال 188 دولة التي وافقت على اتفاقيات جنيف بتجريم ضمن قوانينها الجنائية الداخلية جرائم الحرب المتفق عليها (الفقرة 1 من المواد 49 و 50 و 129 و146 لكل من الاتفاقيات 1 و 2 و 3 و 4). كما التزمت بموجب الفقرة 2 من نفس المواد باستعمال مبدأ الاختصاص القضائي العالمي كقاعدة مشتركة ملزمة لتلك الدول لمتابعة مجرمي الحرب. تلتزم الدول أيضا بموجب المادة 188 من البروتوكول 1 بالمساعدة القضائية فيما بينها والتعاون مثل تسليم المشتبه في ارتكابهم جرائم خطيرة.
2.2.2.1.2 اتفاقية مكافحة جريمة التعذيب لسنة  1984
تؤسس اتفاقية مكافحة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة مبدأ الاختصاص القضائي العالمي (مادة 5) بالنسبة لل 132دولة التي وافقت على الاتفاقية. وبالتالي تصبح تلك الدول ملزمة بمتابعة مرتكبي جريمة التعذيب قضائيا (مادة 6) ومعاقبتهم (مادة 7) أو تسليمهم للمحاكمة (مادة 8).
. 3.2.2.1.2 المحكمة الجنائية الدولية  (CPI)
عكس محكمة العدل الدولية التي تختص بالنزاعات ما بين الدول تنظر المحكمة الجنائية الدولية فقط في التهم التي يقرها نظامها الأساسي المتفق عليه ضد الأشخاص. يقَرٌ نظام المحكمة الجنائية الدولية الأساسي أولوية المحاكم الجنائية الوطنية، وتتمثل ثانوية المحكمة الدولية بأنها لا تنظر ولا تصدر أحكامها إلا في الحالات الآتية (1) بلد المتهم طرف في عهد المحكمة (2) وقوع الجرم في بلد طرف في اتفاقية تأسيس المحكمة (3) أقر بلد ما اختصاص المحكمة في قضية وقعت في إقليمه أو تعلقت بأحد رعياه رغم أن البلد لم يكن طرفا في اتفاقية المحكمة. يستثنى من ذلك إحالة قضية بقرار مجلس الأمن وفق الباب 7 من ميثاق الأمم المتحدة.
.2.2  العرف الدولي
يؤسس العرف الدولي أيضا في البعض من بنوده الآمرة مبدأ الاختصاص القضائي العالمي خارج إرادة الدول.
.1.2.2  جريمة الإبادة الجماعية
وفق المادة 6 من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية التي اعتمدت في 1948 يحاكم الأشخاص المتهمون بارتكاب الإبادة الجماعية أمام محكمة مختصة من محاكم الدولة التي ارتكب الفعل على أرضها. لكن لم يكن اختيار هذه المحكمة إجباريا كما لم يمنع مبدأ الاختصاص القضائي العالمي. بعد مرور 62 سنة على الاتفاقية أصبح الأمر مختلفا. لقد جاء ضمن أعمال محكمة العدل العالمية (اثر طلب رأيها من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة - حول التحفظات عند الموافقة على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية مثلا- أو على أساس نزاعات دولية مثل قضية البوسنة والهرسك ضد جمهورية يوغسلافيا، قرار يوليو\تموز-11 -1996) أن ولاية القضاء الوطني في مكافحة جريمة الإبادة لم تحدٌه الاتفاقية جغرافيا. وبالتالي فانه من واجب كل الدول الراقية وبغير سابق الالتزام باتفاقية منع جريمة الإبادة، متابعة ومحاكمة كل المتهمين بارتكابها. وقد أكٌدت محكمة الجنايات الدولية الخاصة بيوغسلافيا أن واجب المتابعة تفرضه قواعد العرف الدولي.
.2.2.2  الجريمة ضد الإنسانية
خصص القانون الأساسي لمحكمة نورنبرغ العسكرية المادة 6 س لتعريف الجريمة ضد الإنسانية التي قررت محكمة العدل الدولية أنها ممنوعة بموجب قواعد العرف الدولي الإلزامية (ius cogens) قواعد العرف الدولي الإلزامية تلك تقع على رأس هرم القانون الدولي حسب المادتين 53 و 64 من معاهدة فيينا الخاصة بالاتفاقيات الدولية، وتمثل بروز نظام عام دولي إجباري. لقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة في تقرير له بتاريخ 19 يوليو\تموز 2000 وافق عليه مجلس الأمن (قرار1314)، بأهمية مبدأ الاختصاص القضائي العالمي لمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية.
.3  فوائد مبدأ الاختصاص القضائي العالمي
كانت القرصنة أول جريمة عالمية تقع خارج حدود السيادة. كيف يمكن متابعة مرتكبيها ولم يكن ممكنا ربط أحد عناصرها بأية دولة؟ إن مبدأ الاختصاص القضائي العالمي هو الحل الوحيد للمعضلة. لكن فوائد مبدأ الاختصاص القضائي العالمي لا تقتصر على هذا الجانب فقط.
.1.3  الفائدة الأولى
أهمية هذا المبدأ الكبرى تكمن نظريا في كون أن أية حصانة لا يمكن أن تحول دون محاكمة المجرمين الكبار وأن أي بلد لا يمكن أن يكون مكان لجوء لهم حتى ولو كانوا من كبار مسؤولي الدولة.
 2.3. الفائدة الثانية
تكمن الفائدة الثانية في أن تدخل منظمة الأمم المتحدة جد استثنائي حتى في حالة خروقات مكثفة لحقوق إنسانية أساسية رغم صلاحيات المنظمة التي يمكنها فرض عقوبات (حصار مثلا) أو استعمال القوة. ويمكنها أيضا إنشاء محاكم خاصة بقرار يصدر عن الجمعية العامة أو مجلس الأمن كما كان الأمر في حالتي يوغسلافيا السابقة ورواند(هامش2). فمن الصعب جدا أن يحصل اتفاق داخل الأمم المتٌحدة في هذا الشأن. حتى إذا ما تم ذلك بأغلبية أو بإجماع فإن سلبيات القرار يتحملها المدنيون الأبرياء أكثر من المجرمين. زيادة على ذلك وفي حالة تدخل عسكري وتوقف القتال أو المجازر، فالكراهية تبقى ما دامت الشعوب والضحايا تعتبر أن العدالة لم تأخذ مجراها. ثم إن المحاكم الاستثنائية تُنشأ عن طريق الاستعجال وحسب حالات معينة ويكون اختصاصها محدودا في زمن  الوقائع (prorata temporis ) وأشخاص محدودة ومعيٌنة الجنسية (ratione personae).
.3.3  الفائدة الثالثة
من المفيد أن نركز على الفائدة الثالثة، لأن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية يجعل البعض يظن أن لا فائدة بعدها لمبدأ الاختصاص القضائي العالمي. و الحقيقة أن المحكمة الجنائية الدولية جاءت مكمٌلة للمحاكم الوطنية، وهي تعتبر ثانوية بالنسبة لها كما جاء في ديباجة القانون الأساسي للمحكمة الدولية ومادته الأولى. تمارس المحكمة الجنائية الدولية اختصاصها تجاه الدول الأطراف في حالتين فقط: (1) عندما لا يمكن للجهات القضائية المحلية التحرك، (2) أو عندما ليس لها إرادة للتحرك. هذا ما جعل الأستاذ سيرج سور(Serge Sur)  يقول:" يعتبر التماس المحكمة الجنائية الدولية بمثابة فشل ضمني للمحاكم العادية ويعني بالتالي أن الدول لم تقم بواجبها".
تبرز عناصر أخرى أهمية مبدأ الاختصاص القضائي العالمي ومنها:
أ - ليس لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية أثر رجعي. وطبقا للمادتين 11و42 من قانونها الأساسي لا يمكن للمحكمة النظر في الجرائم التي ارتكبت قبل 1 تموز/يوليو 2002.
ب-  صلاحيات المحكمة محدودة من ثلاثة جوانب: فهي تنظر فقط في الجرائم المرتكبة في البلدان أطراف الاتفاقية. ثم يمكن لمجلس أمن الأمم المتحدة أن يشل أعمالها بتوقيف التحريات لمدة سنة قابلة للتمديد (مادة 16 من القانون الأساسي). أيضا يمكن لأية دولة رفض مدة 7سنوات اختصاص المحكمة في جرائم الحرب (وفق المادة 124).
ج - تبعية المحكمة الجنائية الدولية بالنسبة للدول، لأن ليس لديها قوة بوليس ولا سجون لتتمكن من إلقاء القبض على مرتكبي الجرائم لمحاكمتهم أو سجنهم بعد إدانتهم. كما يصعب لها جمع الأدلة والاستماع للشهود والضحايا أو ضمان أمنهم من الإنتقام بغير مساعدة الدول. ضعف المحكمة وتبعيتها للدول يبرز فائدة مبدأ الاختصاص القضائي العالمي لمكافحة غياب المحاسبة.
ح-  يمكن لأية دولة طرف في اتفاقية إنشاء المحكمة أن ترفض كليا أو جزئيا مساعدة المحكمة رغم واجب التعاون بموجب المادة 86, هذا كلٌما رأت أن ذلك يمسٌ أمنها القومي. كما تمنع المادة 98من القانون الأساسي المحكمة من أن تطالب دولة طرف بتقديم أو بمساعدة تقتضي من الدولة الموجه إليها الطلب أن تتصرف على نحو يتنافى مع التزاماتها بموجب القانون الدولي فيما يتعلق بحصانة الدولة أو الحصانة الدبلوماسية الشخصية أو المالية تابعة لدولة ثالثة ما لم تحصل المحكمة على تنازل الدولة الثالثة.
خ-  من الواضح أن الدول التي ترفض وجود المحكمة الجنائية الدولية هي دول قوية لا يستهان بها (الولايات الأمريكية المتحدة وروسيا واليابان والصين والهند وباكستان وإسرائيل وكل الدول العربية ما عدا الأردن). و تحارب أمريكا صلاحيات المحكمة صراحة بحيث أبرمت مع 65 دولة (إحصاء 1 أكتوبر2003) اتفاقية تعطي لرعايا أميركا الحصانة، كما عاقبت 32 دولة أخرى بسبب رفضها إبرام الاتفاقية نفسها.
د-  عكس ما يعتقد الكثيرون، لم يكن تعريف الجرائم ضمن القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التعريف الأوسع لها في الفقه الجنائي. اكتفى كاتبو القانون بالمصطلحات وعناصر الجرائم المعروفة سنة 1998، مما جعلهم يحتفظون في المادة 10 بالقول أنه ليس هناك ما يقيد أو يمس بأي شكل من الأشكال قواعد القانون الجنائي الدولي القائمة أو المتطورة.
4. مضمون وشروط استخدام مبدأ الاختصاص القضائي العالمي

هنالك نظريتين لمعرفة مضمون الاختصاص القضائي العالمي: الأولى، ضيٌقة تجسٌد الاختصاص القضائي العالمي الإجباري، والثانية بمضمونها الأوسع اختيارية، لأنها تتجاوز حدود ما هو إلزامي بموجب القانون الدولي التعاقدي والعرفي.وبما أن الاختصاص القضائي العالمي يعتبر وسيلة مكافحة غياب محاسبة من يقومون بجرائم دولية ضد الحقوق الأساسية للإنسان يكون لنا قول حول المنظمات التي تريد استعماله ضد الشركات متعدٌدة الجنسيات لمخالفتها الحقوق الاجتماعية ونظم البيئة.
1.4  مضمون مبدأ الاختصاص القضائي العالمي
تعدٌ نظرية اختصاص قضائي واسع لصالح الضحايا لأنها لا تشترط ما يربط بين قضية انتهاك خطير للحقوق الأساسية للإنسان والقاضي الوطني. نلاحظ في الواقع أن النظرية الأكثر اتساعا هي النظرية الضيٌقة الإجبارية والتي تشترط في أقصى درجة اتساعها أن يسكن الجاني في تراب السيادة ولو مؤقتا أو أن يكون عابرا فيه.
1.1.4.  الاختصاص القضائي العالمي الاختياري أو المطلق
استعمل الاختصاص القضائي العالمي المطلق قديما ضد العقيد النازي  إشمان مثلا الذي تمت محاكمته بإسرائيل سنة 1961 بناءا على قانون 1950 الذي يمكن بموجبه محاكمة أجانب اقترفوا جرائم خطيرة خارج حدود بلد القاضي (أثناء الأحداث لم يكن لإسرائيل وجود وكانت الضحايا تحمل جنسيات مختلفة). جاء في حيثيات قرار المحكمة العليا الإسرائيلية أن " طبيعة الجرم العالمية هي التي تعطي لكل دولة حق معاقبة من شارك في ارتكابها".سبق لبلجيكا أخذ هذه النظرية بعين الاعتبار ضمن قانوني 16 حزيران/يونيو 1993 و 10 فبراير/شباط 1999. وتمت محاكمة أربعة روانديين على أساس جريمة الإبادة الجماعية سنة 2001 . كذلك أودعت شكوى ضد شارون لتتم مراجعة قوانين مكافحة الجرائم الدولية. كما جاء في المادة  8 من قانون نيوزيلندا المتعلٌق بإدماج قانون المحكمة الجنائية الدولية ضمن القانون الوطني، بانٌ للقاضي الوطني اختصاص في النظر في الجرائم الخطيرة التي تُحرمها المحكمة الدولية حتى في حالة ما إذا تمت الوقائع خارج تراب السيادة وتعني فقط أجانب. لكن لم  يسمح القانون النيوزيلندي بالمحاكمات الغيابية.
2.1.4.  الاختصاص القضائي العالمي الإجباري أو النسبي
تراجعت بعض الدول عن اختيارها السابق لمبدأ الاختصاص القضائي العالمي المطلق. يشترط القانون البلجيكي الجديد آب/أو أغسطس 2003 بأن يكون للمتهم مقر رئيسي في بلجيكا وأن تكون الضحية من جنسية بلجيكية أو مقيمة فيها منذ 3 سنوات على الأقل يوم تاريخ الوقائع. غيٌرت سويسرا قوانينها أيضا بعد الشكوى التي أُقيمت ضد وزير الدفاع الإسرائيلي بحيث لا تقبل شكوى بعد ذلك إلاٌ إذا كانت للمتهم علاقة وطيدة مع سويسرا. فرنسا وألمانيا وأستراليا وبريطانيا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية (لاسيما باستخدام قانون يرجع لأكثر من قرينين وهو: Alien Tort Claims Act)  وبلدان أخرى، أخذت تدابير قانونية ترسٌخ مبدأ الاختصاص القضائي العالمي النسبي بدرجات متفاوتة. أُخذت أكثر التقنيات الجديدة بمناسبة الانضمام إلى اتفاقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية.
2.4 ماذا عن استعمال الاختصاص القضائي العالمي ضد الشٌركات الدولية ؟
تحاول بعض المنظمات غير الحكومية جاهدة توسيع استعمال مبدأ الاختصاص القضائي العالمي ضد الشٌركات الدولية عند خرق هذه الأخيرة للحقوق الاجتماعية والبيئية. لم تكن دوافعها كلها من غير مبرٌر أو أثر أيضا. لكن يُفسد التوجٌه مضمون المبدأ ويشوٌش على مقاومة غياب المحاسبة عند ما تُخترق الحقوق الإنسانية الأساسية مثل حق الحياة ومنع التعذيب الخ، والتي تكون آثارها مستديمة. تختلف الحقوق الإنسانية الأساسية عن غيرها لأنها غير قابلة للحبس أو التجزئة، كما جاء في معظم الاتفاقيات الدولية المتضمنة للحقوق (أنظر المادة 4من معاهدة الحقوق المدنية والسياسية مثلا)، سوى في السلم أو في الحرب. تعتمد آراء مؤيدي توسيع الاختصاص القضائي العالمي لمقاضاة الشركات على مبدأ " عالمية وعدم تجزئة حقوق الإنسان". بيد أن المبدأ ليس قناعة فلسفية أو أدبية-أخلاقية بل هو مشروع مشترك وديناميكية تبادل وبناء تتمحور فيه الإيجابية (الاعتراف بالحقوق) والسلبية (إبعاد الخروقات الفادحة للحقوق الحياتية). ولا يمكن الالتقاء حولها إلاٌ إذا تم الاتفاق حول أولويات الحقوق. كتب روزفلت حول قصد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إننا نتشوٌق لعالم تكون الإنسانية فيه قد تخلٌصت من الرعب ومن الجوع. لقد أصاب بتقديم الأمن على العيش.
.5  معوقات تطبيق الاختصاص القضائي العالمي
المعوقات التي تقف حائلا في وجه تطبيق مبدأ الاختصاص القضائي العالمي ليست فقط مادية، وإنما إيديولوجية وسياسية بالدرجة الأولى. للأسف، لا يكفي الواجب المفروض على البلد للقيام قضائيا بملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية للتأكد من تنفيذه ذلك، انطلاقا من الاختصاص القضائي العالمي.
.1.5 معوقات مادية   
معوقات تطبيق الاختصاص القضائي العالمي المادية تعود لكون هذا النظام لا يجد تأييدا مطلقا من قبل الدول. فتجميع الأدلة على جريمة ارتكبت على بعد آلاف الكيلومترات أحيانا، و استماع و مواجهة الشهود و الضحايا الذين يطرحون صعوبات أمنية بالنظر لإمكانية الانتقام منهم - إضافة لغياب تعاون الدولة التي ارتكبت الجريمة على أرضها، كلها أمور قد يكون من الصعب تجاوزها. وهو ما لا يشجع الدول على تنفيذ الالتزام بالاقتصاص من مقترف الجرم المفترض. ذلك بالرغم من أن مكافحة غياب المحاسبة تتطلب تضحيات.
.2.5 معوقات سياسية
الحدود بين القضائي والسياسي غالبا ما تكون هشة، بحيث تطرح بقوة مسألة الحد المعياري. يتمسك رافضو مبدأ الاختصاص القضائي العالمي عادة بالقول أن الفصل في الأوامر القضائية لا يجب أن يتعدى حدود البلدان. وهو ما كرسه مفهوم السيادة الوطنية الذي يقضي بعدم اختصاص الأجهزة القضائية لدولة ما في محاكمة من هم ليسوا من رعاياها واقترفوا جرائم على أرض أجنبية وضد أجانب. للأسف الواجب القضائي بملاحقة من يفترض أنهم ارتكبوا جرائم دولية لا يكفي دوما للتأكد من أن البلد قد قام بملاحقات على قاعدة الاختصاص العالمي.
مسألة السيادية هذه لا يتم تطبيقها في حالة التبعية بين البلدان، مثلا بين بلدان الاستعمار القديمة و مستعمراتها. فمبدأ الاختصاص القضائي العالمي لا يطبق عند ارتكاب جريمة ضد حقوق الإنسان الأساسية إلا إذا اقترن بمصالح سياسية و|أو اقتصادية في أغلب الأحيان. المصالح السياسية والاقتصادية تعيق أحيانا كثيرة -أو تساهم في- تطبيق حكم القانون. وهكذا، بسبب غلبة الطابع السياسي للجرائم التي تمس الإنسانية يستمر الجدل قائما كترجمة لوجود سياسة المكيالين والمعيارين. مما يحدو ببعض الدول المطالبة -أو الرفض الشديد- بمبدأ الاختصاص القضائي العالمي تبعا لمصالحهم الآنية.
.6  خاتمة
خلال زمن طويل عاش وضع حقوق الإنسان، إن من ناحية المحتوى أو الآليات التي تؤمن تطبيقها، في كنف التصور السياسي للعالم ومن خلال المفاهيم السائدة عن دور الدولة وسيادتها داخل وخارج حدودها.
التحولات التي حصلت في العقد الأخير من الألفية الثانية كانت عميقة بحيث لم يتوانى البعض عن الحديث عن زمن جديد، وموضوعة التقاضي في ميدان الحقوق الإنسانية تعكس مدى هذه التحولات. من المهم التذكير بالطابع التقدمي لمبدأ الاختصاص القضائي العالمي الذي فرض نفسه أكثر فأكثر في ميدان مكافحة غياب العقاب.
للأسف، ما زال هذا المبدأ محاربا بالرغم من أنه يشكل وسيلة مكافحة وردع مع إمكانية رفع دعوى أمام قاضي محلي أجنبي لمنع دكتاتور مقبل من انتهاك فظيع لحقوق الإنسان. فالعالم الأحادي القطبية الحالي يقود لانقلاب كامل للوضع ويبرز دور المجتمع المدني العالمي. إن العمل الجبار الذي قامت به الجمعيات غير الحكومية في روما، بالرغم من مقاومة الحكومات لها، خلال النقاشات الأخيرة وعند تبني نظام المحكمة الجنائية الدولية، كان من شأنه أن عزز بشكل كبير احترام حقوق الإنسان. تم إحراز هذه الانتصارات وفي الوقت نفسه مراعاة التوازنات الضرورية بين الأنظمة القضائية للدول، بين حقوق المتهمين وضحاياهم وبين القضاة والمدعين العامين ومحامي الدفاع.

هذا النوع من الحراك يجب أن يستمر كي ينتصر الإنساني على ما هو غير إنساني، خاصة عبر تطبيق مبدأ الاختصاص القضائي العالمي وفي كل مكان. بذلك، يصبح الالتجاء للمحكمة الجنائية الدولية المحاولة الأخيرة، أي الشواذ عن القاعدة، التي هي اللجوء لأي قاضي وطني يثق بعدالته بفضل مبدأ الاختصاص القضائي العالمي.


الهوامش
1. عنوان و نص المحاضرة التي القاها الاستاذ ابراهيم التاوتي بالمنامة عاصمة البحرين في2001, ثم تم نشرها سنة 2002ضمن الموسوعة الصغيرة العربية لحقوق الانسان| a " Short Universal Encyclopaedia of Human Rights : Reflections & Fundamental Texts ", Publishers Al Ahali Damascus, Eurabe & Arab Commission for Human Rights - Paris, 2002, Vol. II, pp. 17-32.
2. عكس ما يظنٌ الكثيرون، لا تقتصر صلاحية إنشاء المحاكم الخاصة علي مجلس الأمن, بل للجمعية العامة للأمم المتحدة حق إنشائها أيضا كما فعلت لما أنشأت محكمة إدارية(TANU)وقوة عسكرية إستعجالية لتتمركز بين القوات المصرية والإسرائيلية(FUNU1) سنة 1956. ُوسٌعت صلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرار30نوفمبر1950سمي قرار ‌‌‌‍‍‘‘ آشسون –Acheson’’ لتجنٌب شل قدرات مجلس الأمن بسبب استعمال حق الفيتو أثناء الحرب الباردة.

الثلاثاء، 25 مارس 2014

رأي في أهلية الزواج

رأيٌ في أهلية الزواج

المشرّع الأردني: نصّ قانون الأحوال الشخصية الأردني المؤقت الصادر سنة  2010 رقم (36) على شروط أهلية الزواج، ويمكننا تلخيصها في نقاط على الشكل التالي:
أ- أن يكون الخاطب والمخطوبة عاقلين.
ب- أن يتم كل منهما ثمانية عشر سنة شمسية من عمره.
* الأصل أن يتم كل منهما ثمانية عشر سنة إلا أن المشرع نصّ على استثناء وهو “يجوز للقاضي وبموافقة قاضي القضاة أن يأذن في حالات خاصة بزواج من أكمل الخامسة عشرة سنة شمسية من عمره وفقاً لتعليمات يصدرها لهذه الغاية …”
وأضاف المشرع أيضاً في المادة (11) من نفس القانون نصاً :”يمنع اجراء العقد على امرأة إذا كان خاطبها يكبرها بأكثر من عشرين سنة إلا بعد أن يتحقق القاضي من رضاها واختيارها”.

رأيي في المسألة: أرى أن تحديد سن الزواج أصلاً والحاق استثناءً به غير موفق من المشرّعين وربّما هذا التوجه في وضه سن للزواج تماشياً مع دول القانون وحقوق الانسان وما شاكل، وهنا لست في صدد التحدّث عن النيات، ولكن برأيي لابد أن ينص المشرع على شروط معينة ومحددة منها:
أ- أن يكون الخاطب والمخطوبة بالغين راشدين عاقلين.
ب- أن يصلا إلى سن البلوغ. * مع عدم وجود ضابطة ولكن القاضي له سلطة تقديرية في تحديد ذلك.
وإذا لم يصل أحدهما إلى سن البلوغ، أو بلغ من غير رشد توقف الزواج على إذن الولي.

وجهة نظري أن السن لا يشكل حاجزاً أمام الرشد، فالمقياس هو البلوغ بدرجة أولى والرشد بدرجة ثانية، ويمكننا القول “إذا أتمت الفتاة العام التاسع من عمرها فللقاضي أن يأذن لها بالزواج إذا آنس منها الرشد، ويأذن للغلام الراشد بعد أن يتم الخامسة عشرة من عمره”.


المراجع:
1. الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني للدكتور عمر سليمان الأشقر.

2. الفصول الشرعية على مذهب الامامية، للعلامة محمد جواد مغنية (قدس سره الشريف).

الثلاثاء، 4 مارس 2014

يوحنّا بن إسرائيل الذمّي


يقول يوحنّا بن إسرائيل الذمّي : إنّي كنت رجلاً ذميّا (2) ، متقنا للفنون العقليّة ، ممتعاً من العلوم النقليّة ، لا يحيدني عن الحقّ مموّهات الدلائل ، ولا يلقيني في الباطل مزخرفات العبارات ، ومنمّقات الرسائل ، أنجر ينابيع التحقيق من أطواد الحلوم ، وأستخرج بالفكر الدقيق المجهول من العلوم ، أتصفّح بنظر الاعتبار ومعتقد فريق فريق ، وأُميّز بين ذلك سواء الطريق ، والناس إذ ذاك قد مزّقوا دينهم وكانوا شيعا وتمزّقوا كلّ ممزّق وتبروا قطعا ، فلهم قلوب لا يفقهون ، بها ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها ، يخبطون خبط عشواء فهم لا يبصرون ؛ ويتعسّفون مهامة الضلالة فهم في ريبهم يتردّدون ؛ فبعضهم دينه صابئي ، وغيرهم مجوسي ، وهذا يهودي ، وهذا نصراني ، وآخر محمدي ، وبعض عبدوا الكواكب ، وبعض عبدوا الشمس ، وطائفة عبدوا النار ، وقوم عبدوا العجل ، وكلّ فرقة من هؤلاء صاروا فرقا لا تحصى.

 فلمّا رأيت تشعّب القول ، وشاهدت تناقض النقول ، طابقت المعقول بالمنقول ، وميّزت الصحيح من المعلول ، وأقمت الدليل على وجوب اتّباع ملّة الاسلام ، والاقتداء بها إلى يوم الحساب والقيام ، فأظهرت كلمة الشهادة ، وألزمت نفسي بما فيه من العبادة ، وجمعت الكتب الاسلامية من التفاسير والاحاديث والاُصول والفروع من جميع الفرق المختلفة ، وجعلت أُطالعها ليلاً ونهارا وأتفكّر في المناقضات التي وقعت في دين الاسلام.
 فقال بعضهم : إنّ صفات الله تعالى عين ذاته ، وبعض قال : لا عين ذاته ولا زائدة ، وبعض قال : إنّ الله عزّ وجلّ أراد الشرّ وخلقه ، وبعض نزّهه عن ذلك ، وبعض جوّز على الانبياء الصغائر ، وبعض جوّز الكبائر ، وبعض جوّز الكفر (3) ، وبعض أوجب عصمتهم ، وبعض أوجب النصّ بالامامة (4) ، وبعض أنكره ، وبعض قال: بإمامة أبي بكر وأنّه أفضل ، وبعض كفّره ، وبعض قال: بإمامة علي ، وبعض قال: بإلهيّته ، وبعض ساق الامامة في أولاد الحسن ، وبعض ساقها في أولاد الحسين ، وبعض وقف على موسى الكاظم (5) ، وبعضهم قال: باثنى عشر إماما ، إلى غير ذلك من الاقوال التي لا تحصى.
 وكلّ هذه الاختلافات إنّما نشأت من استبدادهم بالرأي في مقابلة النصّ ، واختيارهم الهوى في معارضة النفس وتحكيم العقل على من لا يحكم عليه العقل وكان الاصل فيما اختلف فيه جميع الامم السالفة واللاحقة من الاُصول شبهة إبليس ، وكان الاصل في جميع ما اختلف فيه المسلمون من الفروع مخالفة وقعت من عمر بن الخطّاب لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ واستبداده برأي منه في مقابلة الامر النبويّ ، فصارت تلك الشبهة والمخالفة مبدأ كلّ بدعة ، ومنبع كلّ ضلالة.
 أمّا شبهة إبليس فتشعّبت منها سبع شبه ، فصارت في الخلائق ، وفتنت العقلاء ، وتلك الشبهات السبع مسطورة في شرح الاناجيل ، مذكورة في التوارة ، متفرّقة على شكل مناظرة بين إبليس وبين الملائكة بعد الامر بالسجود والامتناع منه.
 فقال إبليس للملائكة : إنّي سلّمت أنّ الباري تعالى إلهي وإله الخلق ، عالم قادر ، ولا يسأل عن قدرته ومشيئته ، وإنّه مهما أراد شيئا قال له: كن فيكون ، وهو حكيم إلاّ أنّه يتوجّه على مساق حكمته أسئلة.
 قالت الملائكة : وما هي ؟ وكم هي ؟
 قال إبليس : سبع.
 الاوّل : أنّه قد علم قبل خلقي أيّ شيؤ يصدر عنّي ، ويحصل منّي ، فلم خلقني أوّلاً ؟ وما الحكمة في خلقه إيّاي ؟
 الثاني : إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته فلم كلّفني بطاعته وأماط الحكمة في التكليف بعد أن لا ينتفع بطاعته ، ولا يتضرّر بمعصيته ؟
 الثالث : إذ خلقني وكلّفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة ، فعرفت وأطعت ، فلم كلّفني بطاعة آدم والسجود له ؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في طاعتي ومعرفتي ؟
 الرابع : إذ خلقني وكلّفني بهذا التكليف على الخصوص فإذ لم أسجد لعنني وأخرجني من الجنّة ، ما الحكمة في ذلك بعد إذ لم أرتكب قبيحا إلاّ قولي لا أسجد إلاّ لك ؟
 الخامس : إذ خلقني وكلّفني مطلقا وخصوصا ، فلمّا لم أطع في السجود فلعنني وطردني ، فلم طرقني إلى آدم حتى دخلت الجنّة وغررته بوسوستي ، فأكل من الشجرة المنهيّ عنها ؟ ولم أخرجه معي ؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنّة امتنع استخراجي لادم وبقي في الجنّة ؟
 السادس : إذ خلقني وكلّفني عموما وخصوصا ولعنني ثمّ طرقني إلى الجنّة وكانت الخصومة بيني وبين آدم ، فلم سلّطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يروني ، وتؤثّر فيهم وسوستي ، ولا يؤثّر فيَّ حولهم ولا قوّتهم ولا استطاعتهم ؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلاّهم على الفطرة دون من يغتالهم عنها فيعيشون طاهرين سالمين مطيعين كان أليق وأحرى بالحكمة ؟
 السابع : سلّمت لهذا كلّه خلقني وكلّفني مطلقا ومقيّدا وإذ لم أطع طردني ولعنني وإذا أردت دخول الجنّة مكّنني وطرقني وإذ عملت عملي أخرجني ثمّ سلّطني على بني آدم ، فلم إذ استمهلته أمهلني ، فقلت : ( فَأَنْظِرْنِي إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) (6) ؟ وما الحكمة في ذلك بعد إذ لو أهلكني في الحال استراح الخلق منّي ، وما بقي شرُّ في العالم ، أليس ببقاء العالم على نظام الخير خير من امتزاجه بالشرّ ؟
 قال : فهذه الحجّة حجّتي على ما ادّعيته من كلّ مسألة. قال شارح الانجيل : فأوحى الله تعالى إلى الملائكة قولوا له : أما تسليمك الاُولى أنّي إلهك وإله الخلق فإنّك غير صادق فيه ولا مخلص ، إذ لو صدقت أنّي إله العالمين لما احتكمت عليَّ بلم وأنا الله الذي لا إله إلاّ هو لا أُسأل عمّا أفعل والخلق يسألون.
 قال يوحنّا : وهذا الذي ذكرته من التوراة في الانجيل مسطور على الوجه الذي ذكرته (7).
 وأمّا المخالفة التي وقعت من عمر بن الخطّاب : أنّه لمّا مرض رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مرضه الذي توفّي فيه دخل عليه جماعة من الصحابة ، وفيهم : عمر بن الخطّاب ، وعرف رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ رحلته من الدنيا واختلاف أُمّته بعده ، وضلال كثير منهم ، فقال للحاضرين : « ائتوني بدواة وبيضاء لاكتب لكم كتابا لن تضّلوا بعدي.
 قال عمر بن الخطّاب : إنّ النبي قد غلب عليه الوجع ، وإنّ الرجل ليهجر ، وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله (8).
 فلو أنّ عمر لم يحل بينه وبين الكتاب لكتب الكتاب ، ولو كتبه لارتفع الضلال عن الاُمّة ، لكن عمر منعه من الكتابة ، فكان هو السبب في وقوع الضلال ، وأنا والله لا أقول هذا تعصّبا للرافضة ولكنّي أقول ما وجدته في كتب أهل السنّة الصحيحة ، وهو مصرّح في صحيح مسلم الذي يعتمدون عليه.
 ومن الخلاف الذي جرى بين عمر وبعض الصحابة : أنّه لمّا مرض رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مرضه الذي توفّي فيه جهّز جيشا إلى الروم إلى موضع يقال له: مؤتة ، وبعث فيه وجوه الصحابة مثل أبي بكر وعمر وغيرهما ، فأمّر عليهم أُسامة بن زيد فوّلاه وبرزوا عن المدينة ، فلّما ثقل المرض برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ تثاقل الصحابة عن السير وتسلّلوا ، وبقي أبو بكر وعمر يجيئان ويتجسّسان أحوال صحّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ومرضه ليلاً ويذهبان إلى المعسكر نهارا ، ورسول الله يصيح بهم : « جهّزوا جيش أُسامة ، لعن الله المتخلّف عنه » حتى قالها ثلاثا.
 فقال قوم : يجب علينا امتثال أمره ، وقال قوم : لا تسع قلوبنا المفارقة (9).
 ولا يخفى على العاقل قصد النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ في بعث أبي بكر وعمر تحت ولاية أُسامة في مرضه وحثّهم على المسير ، ولا يخفى أيضا مخالفتهم ورجوعهم من غير إذنه لما كان ذلك ، ولا يخفى لعن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ المتخلّف عن جيش أُسامة فلماذا كان ؟ ( فإنّها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) (10).
 ومن الخلاف : أنّه لما مات النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال عمر : « والله ما مات محمد ، ولن يموت ، ومن قال إنّ محمدا مات قتلته بسيفي هذا ، وإنّما رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم » ، فلمّا تلا عليه أبو بكر : ( إنّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (11) رجع عمر وقال : كأنّي لم أسمع بهذه حتى قرأها أبو بكر (12).
 ومن الخلاف الواقع في الامامة : أنّه ما سلّ سيف في الاسلام على قاعدة دينية مثلما سلّ على الامامة ، وهو أنّه لما مات النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ اشتغل علي ـ عليه السلام ـ بتجهيزه ودفنه وملازمته ذلك ومضى أبو بكر وعمر إلى سقيفة بني ساعدة ، فمدّ عمر يده فبايع أبا بكر وبايعه الناس ، وتخلّف علي ـ عليه السلام ـ عن البيعة وعمّه العبّاس والزبير وبنو هاشم وسعد بن عبادة الانصاري ، ووقع الخلاف الذي سفك فيه الدماء ، ولو ترك عمر بن الخطّاب الاستعجال وصبر حتى يجتمع أهل الحلّ والعقد ويبايعوا الاوّل لكان أولى ولم يحصل الخلاف لمن بعدهم في الاستخلاف (13).
 ومن الخلاف : أنّه لما مات النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ وفي يد فاطمة ـ عليها السلام ـ فدك متصرّفة فيها من عند أبيها (14) فرفع أبو بكر يدها عنها وعزل وكلاءها ، فأتت إلى أبي بكر وطلبت ميراثها من أبيها ، فمنعها واحتجّ بأنّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال : ما تركناه يكون صدقة (15) ، واحتجّت فاطمة فلم يجبها ، فولّت غضبانة عليه (16) ، وهجرته فلم تكلّمه حتى ماتت (17) ، وفي أثناء المحاجّة أذعن أبو بكر لقولها ، فكتب لها بفدك كتابا ، فلمّا رآه عمر مزّق الكتاب (18) وكان هذا هو السبب الاعظم في الاعتراض على الصحابة والتشنيع عليهم بإيذاء فاطمة ـ عليها السلام ـ مع روايتهم أنّ من آذاها فقد آذى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ (19) ، وفي الحقيقة ما كان لائقا من الصحابة أن يعطي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ‍ ابنته ممّا أفاء الله عليه فينزعه أبو بكر وعمر منها مع علمهم أنّها كانت تطحن الشعير بيدها ، وإنّما كانت تريد بالذي ادّعته من فدك صرفه للحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ فيحرمونها ذلك ويتركونها محتاجة كئيبة حزينة ، وعثمان بن عفّان يعطي مروان بن الحكم (20) طريد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مائتي مثقال من الذهب من بيت مال المسلمين ولا ينكرون عليه ولا على أبي بكر ، ولو أنّ عمر لم يمزّق الكتاب أو انّه ساعد فاطمة في دعواها ، لكان لهم أحمد عاقبة ولم تبلغ الشنيعة ما بلغت.
 قال يوحنّا : ومن الخلاف الذي وقع وكان سببه عمر : الشورى (21) ، فإنّه جعلها في ستّة وقال : إذا افترقوا فريقين فالذي فيهم عبد الرحمن بن عوف فهم على الحقّ ، وعبد الرحمن لا يترك جانب عثمان كما هو معلوم حتى قال علي ـ عليه السلام ـ للعبّاس : يا عمّ عدل بها عنّي فياليته تركها هملاً كما يزعم أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ تركها ، أو كان ينصّ بها كما نصّ أبو بكر فخالف الامرين حتى أفضت الخلافة إلى عثمان ، فطرد من آواه (22) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، وآوى من طرده (23) رسول الله ـ‍ صلّى الله عليه وآله ـ وأحدث أُمورا قتل بها وفتح بها باب القتال إلى يوم القيامة ، وأفضت الخلافة إلى معاوية الذي ألَّب عائشة وطلحة والزبير على حرب علي ـ عليه السلام ـ حتى قُتل يوم الجمل ستّون ألفا ، ثمّ حارب عليّا ـ عليه السلام ـ ثمانية عشر شهرا وقتل في حربه مائة وخمسون ألفا ، وأفضت الخلافة إلى ولده يزيد فقتل الحسين ـ عليه السلام ـ بتلك الشناعة ، وحاصر عبد الله بن الزبير في مكّة فلجأ إلى الكعبة فنصب بمكّة المنجنيق ، وهدم الكعبة ، ونهب المدينة ، وأباحها لعسكره ثلاثة أيّام (24).
 وقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال : « المدينة حرم ما بين عاير إلى وعير ، من أحدث فيه حدثا فعليه لعنة الله » (25) ، فما ظنّك بمن يقتل أولاده ، ويرفع رؤوسهم على الرماح ، ويطوف بها في البلاد جهرا ، وأفضى الامر الى أنّهم أمروا بسبّ عليّ على المنابر ألف شهر ، وطلبوا العلوّيين فقتلوهم وشرّدوهم (26) ، وأفضى الامر إلى الوليد بن عبد الملك الذي تفأّل يوما بالمصحف فظهر له قوله تعالى : ( واستفتحوا وخاب كلّ جبّار عنيد ) (27) فنصب المصحف يوما فرماه بالنشاب وأنشد شعرا :


تهـددني بجبّــار عنيــد*فها أنا ذاك جبّــار عنيــد
إذا مـا جئت ربّك يوم حشر*فقل يا ربّ مزّقني ‌الوليد(28)


 فإذا نظر العاقل إلى هذه المفاسد كلّها لرأى أنّ أصلها منع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن كتابة الكتاب، وجعل الخلافة باختيار الناس من غير نصّ ممّن له النصّ فكلّ السبب من عمر بن الخطّاب.
 ولا يظنّ أحد أنّي أقول هذا بغضا لعمر لا والله وإنّما هو مسطور في كتبهم والحال كذلك فما يسعني أن أنكر شيئا ممّا وقع ومضى.
 قال يوحنّا : فلمّا رأيت هذه الاختلافات من كبار الصحابة الذين يُذكرون مع رسول الله صلّى الله عليه وآله ـ فوق المنابر عظم عليَّ الامر وغمَّ عليَّ الحال وكدت أفتتن في ديني ، فقصدت بغداد وهي قُبّةُ الاسلام لاُفاوض فيما رأيت من اختلاف علماء المسلمين لانظر الحقّ وأتّبعه ، فلمّا اجتمعت بعلماء المذاهب الاربعة ، قلت لهم : إنّي رجل ذمّي ، وقد هداني الله إلى الاسلام فأسلمت وقد أتيت إليكم لانقل عنكم معالم الدين ، وشرائع الاسلام ، والحديث ، لازداد بصيرة في ديني.
 فقال كبيرهم وكان حنفيّا : يا يوحنّا ، مذاهب الاسلام أربعة فاختر واحدا منهما ، ثمّ اشرع في قراءة ما تريد.
 فقلت له : إنّي رأيت تخالفاً وعلمت أنّ الحقّ منها واحدٌ فاختاروا لي ما تعلمون أنّه الحقّ الذي كان عليه نبيّكم.
 قال الحنفي : إنّا لا نعلم يقينا ما كان عليه نبيّنا بل نعلم أنّ طريقته ليست خارجة من الفرق الاسلاميّة وكلّ من أربعتنا يقول إنّه محقّ ، لكن يمكن أن يكون مبطلاً ، ويقول: إنّ غيره مبطل لكن يمكن أن يكون محقّا ، وبالجملة إنّ مذهب أبي حنيفة أنسب المذاهب ، وأطبقها للسنّة ، وأوفقها بالعقل ، وأرفعها عند الناس ، إنّ مذهبه مختار أكثر الاُمّة بل مختار سلاطينها ، فعليك به تنجى.
 قال يوحنّا : فصاح به إمام الشافعيّة وأظنّ أنّه كان بين الشافعي والحنفي منازعات.
 فقال له : اسكت لا نطقت ، والله لقد كذبت وتقوّلت ، ومن أين أنت والتمييز بين المذاهب ، وترجيح المجتهدين ؟ ويلك ثكلتك أُمّك وأين لك وقوفا على ما قاله أبو حنيفة ، وما قاسه برأيه ، فإنّه المسمّى بصاحب الرأي يجتهد في مقالة النصّ ، ويستحسن في دين الله ويعمل به حتى أوقعه رأيه الواهي في أن قال : لو عقد رجل في بلاد الهند على امرأة كانت في الروم عقدا شرعيّا ، ثمّ أتاها بعد سنين فوجدها حاملة وبين يديها صبيان يمشون ويقول لها : ما هؤلاء ؟ وتقول له : أولادك فيرافعها في ذلك إلى القاضي الحنفي فيحكم أنّ الاولاد من صلبه ، ويلحقونه ظاهرا وباطنا ، يرثهم ويرثونه ، فيقول ذلك الرجل : وكيف هذا ولم أقربها قطّ ؟ فيقول القاضي : يحتمل أنّك أجنبت أو أن تكون أمنيت فطار منيك في قطعة فوقعت في فرج هذه المرأة (29) ، هل هذا يا حنفي مطابق للكتاب والسنّة ؟
 قال الحنفي : نعم إنّما يلحق به لانّها فراشه والفراش يلحق ويلتحق بالعقد ولا يشترط فيه الوطي ، وقال النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » (30) فمنع الشافعي أن يصير فراشا بدون الوطي ، وغلب الشافعي الحنفي بالحجّة.
 ثمّ قال الشافعي : وقال أبو حنيفة : لو أنّ امرأة زُفّت إلى زوجها فعشقها رجل فادّعى عند قاضي الحنفيّة أنّه عقد عليها قبل الرجل الذي زُفّت إليه ، وأرشى المدّعي فاسقين حتى شهدا له كذبا بدعواه ، فحكم القاضي له تحرم على زوجها الاوّل ظاهرا وباطنا وثبتت زوجيّة تلك المرأة للثاني وأنّها تحلّ عليه ظاهرا وباطنا ، وتحلّ منها على الشهود الذين تعمّدوا الكذب في الشهادة (31) ! فانظروا أيّها الناس هل هذا مذهب من عرف قواعد الاسلام ؟
 قال الحنفي : لا اعتراض لك عندنا إنّ حكم القاضي ينفذ ظاهرا وباطنا وهذا متفرّع عليه فخصمه الشافعي ومنع أن ينفذ حكم القاضي ظاهرا وباطنا بقوله تعالى : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) (32) ولم ينزل الله ذلك.
 ثمّ قال الشافعي : وقال أبو حنيفة : لو أنّ امرأة غاب عنها زوجها فانقطع خبره ، فجاء رجل فقال لها : إنّ زوجك قد مات فاعتدي ، فاعتدت ، ثمّ بعد العدّة عقد عليها آخر ودخل عليها ، وجاءت منه بالاولاد ، ثمّ غاب الرجل الثاني وظهر حياة الرجل الاوّل وحضر عندها فإنّ جميع أولاد الرجل الثاني أولاد للرجل الاوّل يرثهم ويرثونه (33).

ــــــــــــــــــ
(1) وقد وجدنا مناظرة يوحنا مخطوطةً ( بالفارسي ) في مكتبة آية العظمى المرعشي النجفي ( قدّس سرّه ) ضمن مجموعة تحت رقم : 6154 ، وذكرت في فهرس المكتبة ( الخطّي ) ج16 ص153.
 وقد ذكر هذه المناظرة آغا بزرك الطهراني في الذريعة ج23 ص176 ـ 177 باسم : منهاج المناهج تحت رقم: 8547 ، وقال عنها رحمه الله تعالى : منهاج المناهج في تحقيق المذاهب الاربعة واثبات الامامة على اسلوب اصحابنا ، ليوحنا بن اسرائيل المصري المستبصر ، وكان عند شيخنا النوري هذه النسخة بخط جده الميرزا علي محمد النوري، وهو المعروف بـ‍ ( رسالة يوحناي اسرائيلي ) أو ( كتاب يوحنا ) أو ( إمامت ) أو ( رسالة كلامي ) ولم أدر الى من انتقلت النسخة بعد شيخنا وبما ان وفاة والده كانت في سنة 1264 ، فيكون تاريخ خط جده حدود سنة 1200 ، وذُكر في ص890 و 950 و 997 من ( فهرست نسخه‌هاي خطي فارسي ) 12 نسخة منها ، أقدمها كتابة في مكتبة اميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ ( 770 بالنجف ) ضمن المجموعة المؤرخة ( 17 رجب 1078 ) وأُخرى في ( الملك 2 | 5216 ) كتبت بقلم النستعليق في سنة 1089 ، ونسخة منه مع الترجمة الانجليزية، توجد في المتحف البريطاني (1193 or ) كتبت في القرن الثالث عشر.
(2) بما أن هذه المناظرة ترتبط ببعض هذه المقدّمات التي ذكرها صاحبها لذا نذكرها بمقدّماتها. (3) تقدمت تخريجاته في ما سبق.
(4) انظر : الملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 131.
(5) انظر : فرق الشيعة للنوبختي ص 80.
(6) سورة الحجر : الاية 37 و 38.
(7) أورد هذه المناظرة الشهرستاني في الملل والنحل : ج 1 ص 24 ، الالوسي في تفسير روح المعاني ج 8 ص 92.
(8) تقدمت تخريجاته.
(9) ورد الحديث بألفاظ متفاوتة ، انظر : 
 طبقات ابن سعد : ج2 ص1 ح37 وج 2 ص2 ح41 وج4 ص1 ح 47 ، فتح الباري للعسقلاني : ج7 ص87 وج8 ص152 ، كنز العمّال : ج10 ص572 ح30266 ، تهذيب تاريخ ابن عساكر : ج1 ص117 و122 ، دلائل الصدق : ج 3 ص 4 و5 ، الملل والنحل : ج 1 ص29 ، شرح نهج البلاغة : ج 6 ص 52 ، أصول الاخيار : ص 68.
 وأخرجه في البحار : ج 22 ص 466 عن إرشاد المفيد : ص 98 وإعلام الورى : ص 140.
(10) سورة الحج : الاية : 46.
(11) سورة الزمر : الاية 30.
(12) روى نحوه البخاري في صحيحه : ج 5 ص 8 ، وابن الاثير في جامع الاصول : ج 4 ص 470 ح 2075 ، وانظر : فتح الباري فـي شـرح صحيح البخاري : ج 7 ص 21 ، تاريخ ابن الاثير : ج 2 ص 323 ، الملل والنحل : ج 1 ص 29 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج 1 ص 178.
(13) انظر: ابن‌ الاثير في الكامل في التاريخ : ج2 ص325 ، الشهرستاني‌ في الملل والنحل : ج1 ص30.
(14) تقدمت تخريجاته.
(15) روي هذا الحديث في : طبقات ابن سعد : ج 8 ص 28 ، وصحيح البخاري : ج 4 ، ص 96 ـ 98 وج5 ، ص 25 وص 114 ـ 115 وص 177 وج 7 ، ص 82 وج 8 ، ص 185 وج 9 ، ص 122 بألفاظ متفاوتة ، وصحيح مسلم : ج 3، ص 1380، ح 1759 وانظر : الملل والنحل: ج1 ، ص 31.
(16) وممن روى ذلك ابن قتيبة في الامامة والسياسة ج 1 ص 19 تحت عنوان « كيف كانت بيعة علي ـ عليه السلام ـ ».
 وفيه أنّها ـ عليها السلام ـ قالت لابي بكر وعمر : « إنّي أُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيتُ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ لاشكونّكما إليه ». وفيه أيضا : « والله ، لادعونّ عليك في كلِّ صلاةٍ أُصلّيها ».
 ومما لا يخفى على كل مسلم منصف بالنظر الى هذه الاخبار وغيرها أن الزهراء ـ عليها السلام ـ ماتت وهي غضبى عليهم ومن اللازم أن يغضب لها كل مسلم لغضب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أيضاً فإذا كان كذلك فبالاحرى أن يغضب لها أولادها وشيعتها ومحبوها.
 قال ابن ابي الحديد في شرح النهج ج 6 ص 49 : قال أبو بكر ( بسنده ) عن داود : قال : أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ونحن راجعون من الحج في جماعة ، فسألناه عن مسائل ، وكنت أحد من سأله ، فسألته عن أبي بكر وعمر ، فقال : أجيبك بما أجاب به جدي عبد الله بن الحسن ، فإنه سئل عنهما ، فقال : كانت أمنا صِدّيقة ابنة نبيّ مرسل ، وماتت وهي غضبى على قوم ، فنحن غضاب لغضبها.
 قلت : قد أخذ هذا المعنى بعض شعراء الطالبيّين من أهل الحجاز ، أنشدنيه النقيب جلال الدين عبد الحميد بن محمد بن عبد الحميد العلويّ ، قال : أنشدني هذا الشاعر لنفسه ـ وذهب عني أنا اسمه ـ قال :

يا أبا الحفص الهويْنَى وما كنت‌*مليــاً بـذاك لولا الحمــامُ
أتموتُ البتول غَضْبَى ونَرضى
‌ماكذايصنع البنـون الكـرامُ


(17) وممن روى ذلك البخاري في صحيحه ج5 ص177 ، كتاب المغازي باب في غزوة خيبر ، بإسناده إلى عائشة قالت : إن فاطمة ـ عليها السلام ـ بنت النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ ارسلت إلى أبي بكر تسألُهُ ميراثها من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك ومابقى من خُمس خيبر ، فقال ابو بكر : إن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال لا نورث ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال وإنّى والله لا اغير شيئا من صدقة رسول الله ـ‍ صلّى الله عليه وآله ـ عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ولا عملن فيها بما عمل به رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي ـ‍ صلّى الله عليه وآله ـ ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها ... الحديث.
(18) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج16 ص274.
(19) انظر : صحيح مسلم : ج4 ص1903 ح94 ، مسند أحمد ج4 ص332، سنن الترمذي ج5 ص656 ، ح3869 ، المصنّف لابن‌ أبي شيبة ج12 ص126 ، ح12319 ، حلية الاولياء ج2 ص40.
(20) تقدمت تخريجاته.
(21) انظر : تاريخ الطبري ج4 ص227 ـ 241 ، تاريخ ابن كثير ج7 ص144 ـ 146 ، وقد تقدمت تخريجاته بالاضافة الى ماهنا.
(22) وهو ابوذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ من شيعة أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ، وسبب نفيه هو إنكاره على عثمان هباته الاموال لاقربائه وقصة نفيه الى الربذة مشهورة ، راجع : شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج3 ص52 وج 8 ص 252 ـ 262، أنساب الاشراف للبلاذري ج5 ص52 ـ 54 ، الطبقات لابن سعد ج4 ص232 ، مروج الذهب للمسعودي ج2 ص350 ، تاريخ اليعقوبي ج2 ص172 ، فتح الباري ج3 ص213 ، عمدة القاري ج4 ص291 ، مسند أحمد بن حنبل ج5 ص197 ، الغدير للاميني ج8 ص292 ـ 386.
(23) وهو : الحكم بن العاص الاموي ، وقد رويت أحاديث كثيرة في لعنه وذريته فمنها ما روى عن عمرو بن مرّة ، قال : استأذن الحكم على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فعرف صوته فقال : ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلاّ المؤمنين وقليل ما هم ، ذو مكر وخديعة يعطون الدنيا وما لهم في الاخرة من خلاق.
 راجع : مستدرك الحاكم ج4 ص481 وصححه ، والواقدي كما في السيرة الحلبية ج1 ص337 ، البلاذري في أنساب الاشراف ج5 ص126.
 وكان الحكم يحكي مشية رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وحركاته فنفاه وطرده ، فلما ولي عثمان أعاده وأعطاه مائة ألف درهم وأقطع ولده مروان فدك وقد كانت فاطمة ـ عليها السلام ـ‍ طلبتها بعد وفاة أبيها تارة بالميراث ، وتارة بالنحلة فدفعت عنها.
 راجع : الملل والنحل ج1 ص19 ، مجمع الزوائد ج5 ص240 ، اُسد الغابة ج2 ص33 ، شرح النهج ج1 ص198 ، فتح الباري ج13 ص9 ، سير اعلام النبلاء ج2 ص107، شيخ المضيره أبو هريرة ص168 ، الغدير ج8 ص241 ـ 267.
(24) تقدمت تخريجاته.
(25) صحيح البخاري ج3 ص25 ـ 26 ، صحيح مسلم ج2 ص994 ح467 وص999 ح469 وص1147 ح1370.
(26) انظر : صحيح مسلم ج4 ص1871 ح32 ، سنن الترمذي ج5 ص596 ح3724.
(27) سورة إبراهيم : الاية 15.
(28) شذرات الذهب ج1 ص168 ـ 169 ، البدء والتاريخ للمقدسي ج6 ص53 ، تاريخ الخميس ج2 ص220 ، تاريخ ابن الاثير ج5 ص137 ، الحور العين لابن نشوان ص190 ، وغيرها. (29) انظر : الفقه على المذاهب الاربعة ج4 ص14 ـ 15.
(30) تقدمت تخريجاته.
(31) أنظر: الاُمّ للشافعي ج5 ص22 ـ 25.
(32) سورة المائدة : الاية 49.
(33) الفقه على المذاهب الاربعة ج5 ص119.

الأحد، 9 فبراير 2014

رؤية السيد الرئيس بشار الأسد للنظام الدولي

رؤية السيد الرئيس للنظام الدولي

أولاً ـ النظام الدولي الجديد:
أعلن السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد في خطاب القسم "احترام حقّ الشعوب في تقرير مصيرها بالشكل الذي يضمن تحقيق مصالحها الحيوية، بينما خرقت الولايات المتحدة الأمريكية بتماهيها مع الشرعية الدولية (الأمم المتحدة) قاعدة الاحترام المتبادل والتعاون البناء وصيانة الأمن والسلام الدوليين، عندما مارست التهديد المستمر وجور الظلم والحصار إلى حدّ الاحتلال في أفغانستان والعراق وغيرهما إخضاعاً لهذه الدول ولمبادئ الشرعية الدولية مما زاد من "الصراعات وبؤر التوتر"، ومنها ممارسة الضغوط على سورية لإخضاعها للهيمنة الأمريكية واستهدافاتها المروعة على العرب والمسلمين، وتكشف تصريحات الرئيس الأمريكي بوش، في ألمانيا في 13 تموز 2006، عن فضائح السياسة الأمريكية.
كان خطاب الرئيس في مؤتمر القمة الإسلامية (قطر 12/11/2000) استبصاراً جلياً للمخاطر المحدقة بالأمة العربية من استتباب الهيمنة الأمريكية وتماهيها الذي يكاد يكون مطلقاً مع الشرعية الدولية ممثلة بالأمم المتحدة إزاء حدة التناقضات في منطقتنا وفي مناطق أخرى كثيرة من العالم حيث التغطية على العرب والإسلام بوجوه أمريكية بلقاء، خداعاً وتضليلاً وتزييفا للحقائق، لا مجال فيها لموشور الأبعاد الإنسانية ولو كانت ذرائعية للتفاهم أو التعاون الدولي لتتحكم الولايات المتحدة بالعلاقات الدولية ألواناً سوداء فاقعة في سبيلها للتغطية على صفاء الرؤية المستقبلية ونقائها:
«إن الخطر أصبح داهماً، واقترب كثيراً من نقطة التفجير الشامل للوضع المهيأ أساساً للانفجار، وفي الفواصل الزمنية بين مؤتمراتنا كنا نشهد المزيد من إزهاق الأرواح في منطقتنا، ونرى الأمة العربية والإسلامية تضيف إلى رصيدها المزيد من الفقر والجوع، والكثير من الظلم والاضطهاد كما رأيناها تبتعد أكثر فأكثر عن هويتها، حتى تكاد تذوب في هويات الآخرين، وفي المقابل كانت دول أخرى تزداد طغياناً واستغلالاً، ويُشرِّعن قتلها وتدميرها للغير، مما أدى على تزايد شدة التناقضات والمفارقات في مناطق مختلفة من العالم».
ثم جاءت أحداث 11 أيلول 2001 لتضع وهم النظام الدولي الجديد على المحك، ولتكشف الشهوة الأمريكية المستحكمة في استتباب الاستتباع من خلال آليات متعددة تأخذ صيغة العولمة التي ما تزال تتشكل مفهوماً لأمركة العالم وهيمنتها على المعمورة، واستمرت الولايات المتحدة بإشهار سياساتها العدوانية الظالمة في مسائل مشكوك في مصداقيتها الأمريكية بالذات كالاستخدام الباطل لسجل الإرهاب أو سجل حقوق الإنسان، إذ ولغت في الإرهاب والتنكيل الإنساني بشكل مباشر في تحالفها في الحرب على أفغانستان، وبشكل غير مباشر في دعمها المطلق للإرهاب الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني واللبناني، ولعل أحداث النصف الأول من تموز 2006 في المجازر الإسرائيلية الكثيرة ضد الفلسطينيين في غزة بخاصة، وفي الغارات العدوانية العديدة ضد اللبنانيين التي وصلت إلى قصف البنى التحتية، من مطار بيروت إلى الجسور ومحطات الكهرباء ومنازل المدنيين، والجريمة الوحيدة للشعب العربي في فلسطين أو في لبنان، المحاطة بعدوان إسرائيل المدعوم من أمريكا، هي أنه يريد أن يعيش بسلام على أرضه، ولذلك طالب الرئيس الأسد الأمريكيين بدور أمريكي حيادي في المنطقة، فلدى استقباله وفد الكونغرس الأمريكي في 15/1/2002/، دعا الأمريكيين إلى تحليل أسباب فشل العملية السلمية مؤكداً على أهمية أن تقوم واشنطن بتكوين صورتها المستقلة عن واقع المنطقة، وأن تكون ضد القتل أياً كان فاعله.
رهن الرئيس مفهوم النظام الدولي بالعولمة، وميزها عن العالمية، ورأى أن إيجابية العولمة في استنادها إلى "ما استند إليه الإسلام من العدل والمساواة إضافة إلى مبادئه السمحة الأخرى"، معولاً على البعد الحضاري للنظام الدولي الجديد الذي ينبغي أن ينهض على تثمير المنظومة القيمية الباقية في تراث الإنسانية جمعاء، رافضاً الاستتباع وسياسة الإملاء الأمريكية:
«أما ما نراه اليوم، وما عشناه خلال السنوات القليلة الماضية، فهو ليس نظاماً دولياً، بل هو نظام دولة أو بضع دول على هذه الكرة الأرضية، أما ما تبقى منها فهو دول سابحة في هذا النظام الغريب. بعضها يعوم على السطح بصعوبة، وعليه أن يثبت وباستمرار حسن النيات والطاعة والالتزام، ومع ذلك فهو دائماً مخطئ ومطلوب منه أن يكفر عن ذنوبه، وبعضها الآخر غارق في القاع إلى أجل غير مسمى. وأصبح كل ما يتماشى مع رغبات تلك الدول الكبرى ديمقراطية وعدلاً، وكل ما يحقق مصالحها هو حقوق إنسان وحضارة بشرية».
شخّص الرئيس أمراض النظام الدولي الجديد في مسألة شديدة الوضوح هي "غياب التوازن في عالمنا الحالي، وهذا التوازن المقصود ليس بالضرورة ذا طبيعة اقتصادية أو عسكرية، بل هو توازن قيم وأخلاق ومفاهيم، وهو توازن عدل وإنصاف بين الشعوب والأمم، بين العرب والشرق، بين الشمال والجنوب".
إن النظام الدولي الجديد يفتقر إلى القيم الإنسانية التي هي سند العولمة ورافعتها الإيجابية والفعالة في مجانبة الشرور مما يشكّل نسيج الدعاوى الأمريكية الجائرة بحقّ ثلاثة أرباع سكان المعمورة، وقد نادى الرئيس أسياد العولمة إلى التفطن لجوهرها في حديثه إلى بعثة صحيفة البايس الإسبانية 1/5/2001: ووجد أن "حضارة الأندلس تدعونا لكي نبحث عن إنسانيتنا بالدرجة الأولى ومن دون هذه الإنسانية لا نستطيع أن نحقق العولمة الصحيحة التي نسعى إليها".
هذا هو درس الحضارة العربية في الأندلس التي حققت "اندماجاً حضارياً كان من المستحيل التوصل إليه دون أن ينشأ حوار بين الحضارات نطالب به اليوم، لأنه يؤدي إلى تآخي الحضارات، ومن ثم إلى اندماجها، مما يسمح لنا أن نتجنب الوصول في المستقبل إلى عولمة شاذة، مبنية على إلغاء أو تهميش الثقافات، وأن نحقق العولمة السليمة التي تبنى على مساهمة كل الشعوب في العمل لتحقيق هدف الوصول إلى مزيج حضاري متجانس، يرتقي بالإنسانية إلى الأعلى".
رأى الرئيس أن معوقات النظام الدولي الجديد تكمن في السياسة الأمريكية التي لا تخدم سوى استتباب الاستتباع للولايات المتحدة في منطقتنا وفي العالم، ولا يمكن أن يتحقق تقدم في مسار عملية السلام أو حوار الحضارات دون احترام حقوق الشعوب كما في كلمته أمام مؤتمر القمة العربية (عمان 27/3/2001):
«أدعو الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة للاستفادة من أخطاء الماضي بشكل عام ومعرفة أنه لا يمكن تجاوز الشارع العربي في القضايا التي تمسّ حقوقهم وكرامتهم».
إن مواجهة الخلل في النظام الدولي الجديد تتحدد في مبادئ رئيسة جلية في رؤيته، وهي:
تثمير المبادئ الإنسانية في العلاقات الدولية، "فالإنسانية بمعناها الحقيقي ومضمونها الأصيل لا تحدّها حدود، ولا تفرّقها أجناس أو شعوب" (من كلمته في حفل افتتاح معرض من دمشق إلى قرطبة بحضور الملك خوان كارلوس 3/5/2001)، وأوضح أن مضمون الخطاب أمام قداسة البابا" كان حول المبادئ الإنسانية، مبادئ العدل، رفض تعذيب الآخرين، مكافحة الغدر والخيانة" (من حديثه إلى صحيفة لوفيغارو الفرنسية 22/6/2001).
تثمير الماضي المشترك بين العرب والغرب، وهو عريق وضارب الجذور في القدم، فقد اتسمت شعوب الحضارة العربية والإسلامية" بالتسامح والانفتاح العقلي والمرونة الفكرية وبالميل للعيش بسلام مع الشعوب الأخرى، وهذه المواصفات الإنسانية المتميزة كان لها أثر إيجابي وكبير في الحضارات التي تلتها" (من كلمته مع افتتاح معرض من دمشق إلى قرطبة).
وهذا ما أكده أيضاً في كلمته الترحيبية بقداسة البابا، فسورية وطن الإنسان" الذي احتضن أقدم حضارات العالم، وكان منارة من منارات المعرفة أضاءت للبشرية خلال قرون كثيرة، كان العالم خلالها في معظم بقاعه يسترشد بنورها".
تثمير حوار الحضارات فاعلية في تعزيز النظام الدولي الجديد القائم على احترام الشرعية الدولية والعدالة وحقوق الشعوب ومشاركة دول العالم كافة، ولاسيما تصحيح المفاهيم المستخدمة والمغلوطة في التعامل الأمريكي مع دول العالم، مثل التفريق بين المقاومة والإرهاب، إذ "لا يجوز أن توصف المقاومة من أجل تحرير الأرض نضالاً في مكان ما وإرهاباً في مكان آخر"، وأوضح أن مفهوم الإرهاب "هو عبارة عن أداة ضغط، ولكنها غير فعالة" (من حديثه إلى جريدة الشرق الأوسط اللندنية 7/2/2001).
صون الحقوق القومية، لأننا "متمسكون بمرجعية عملية السلام" (من رسالته إلى قواتنا المسلحة 1/8/2004)، "ولأننا جميعاً نرفض استخدام القوة كمبدأ لحلّ الخلافات أو القضايا السياسية الموجودة في العالم أو أية قضايا أخرى "(من محاضرته في معهد موسكو للعلاقات الدولية، جامعة ماغيمو 26/1/2005).
لقد أظهرت سياسات سورية حرصها على حقوق العرب المعاصرين، عندما كشفت على الدوام أبعاد الضغوط الأمريكية واستفزازاتها، وما تواجهه من مؤامرات وتهديدات علنية بسبب تمسكها الطبيعي بالحقوق العربية المشروعة، ودفاعها عن قضايا الأمة، ورفضها الإملاءات والاشتراطات المروعة للوجود العربي وللكرامة العربية، وعندما نمعن النظر في جلسات مجلس الأمن الأخيرة ندرك فداحة الظلم الأمريكي على العرب بعامة وعلى سورية بخاصة.
ولا يتاح تصحيح هذه المفاهيم المستخدمة والمغلوطة ما لم تكشف التغطية على العرب والإسلام بفضح الخداع والتزييف والتضليل فقد أُتهم العرب بمعاداة السامية، وهم ساميون، وثمة من "تبين المعايير المزدوجة مستخدماً منطق القوة والصلف بدلاً من قوة المنطق والحقّ، ولكن كلّ هذا لا يلغي الحقائق، ولا يغير من قناعة الشعب العربي بهذه الحقائق" (من كلمته في وداع قداسة البابا 8/5/2001).
أكد الرئيس في كلمته بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس الجيش العربي السوري "أننا في سورية دعاة سلام حقيقي يحقق العدل والأمن والخير للجميع سلام حقيقي عادل وشامل تحكمه قرارات الشرعية الدولية ومرجعية عملية السلام، ومبدأ الأرض مقابل السلام، وقبل كل ذلك تحكمه الرغبة في السلام، لأن من لا يرغب/ في السلام يضع كل العقبات التي تحول دون تحقيقه، كما هي حال إسرائيل ومن أنحاز إليها" (1/8/2005)
إن جوهر منظورات الرئيس للنظام الدولي الجديد هو انتشار محبي الحرية ودعاة السلام أن يوحدوا جهودهم، ويعززوا تضامنهم لصّد الهجمة المعادية والمتصاعدة التي تستهدف هويات شعوب عديدة ومصالحها ومستقبلها، وأفاد في رسالته إلى مهرجان الشباب في كراكاس (11/8/2005)، أن الأرض الفلسطينية تقضمها إسرائيل أولاً بأول، وأبناء الشعب الفلسطيني يتعرضون للقتل والتجويع والمحاصرة، وإسرائيل ماضية في غيها بدعم الإدارة الأمريكية مستهترة بالشرعية الدولية وقراراتها، وبكل المبادئ التي تضمنها ميثاق الأمم المتحدة
عندما نمعن النظر في تصريحات الرئيس نلاحظ بعمق مدى الأضرار والمخاطر والضغوط في الاستهدافات الأمريكية للعرب والمسلمين بعامة ولسورية بخاصة، مثل اتهام الحكومة الأمريكية للعراق بامتلاكه أسلحة الدمار الشامل عن غير حّق، وأوضح الرئيس الإضعاف الأمريكي لإنجاز السلام منذ إطلاق العملية السلمية في مدريد عام 1991، ما جعل الحكومة الإسرائيلية غير جادة " بشأن عملية السلام " (من حديثه لمحطة CNN الأمريكية حول الأوضاع الإقليمية والدولية 12/10/2005)، ونادى العوامل الخارجية أن تتعلق بعملية السلام والاستقرار في المنطقة العربية، لأن الأمة العربية تتعرض بشكل عام وسورية بشكل خاص لحملات في السنوات الأخيرة، " ومكمن خطوراته أنه يستهدف البنية المعرفية والنفسية والمعنوية للإنسان العربي في إطار حرب إعلامية وثقافية ونفسية تتركز على أجيالنا الشابة بصفة خاصة بهدف فصلهم عن هويتهم وتراثهم وتاريخهم.. وجعلهم يفقدون ثقتهم بأمتهم ووطنهم وبأنفسهم وإمكانيات " (كلمة الرئيس الشاملة على مدرج جامعة دمشق 11/11/2005)
ونذكر جوانب من التحكميات الأمريكية بالنظام الدولي الجديد، حسب إضاءات الرئيس السياسة والفكرية والإنسانية:
أ ـ تزوير الحقائق وتزييف المفاهيم، مثل اتهام العروبة أو القومية العربية بأنها مفهوم عنصري، فالقومية ليست مفهوماً عنصرياً، ولا تبنى على العرق. وتعددت الاتهامات الأميركية بعد غزو العراق، على أن الشيء الغريب هو التسميات الأمريكية للعرب والمسلمين وللعراقيين، بخاصة أنهم جهاديون أو سلفيون أو أصوليون أو إرهابيون إسلاميون... إلخ، دلالة على الضياع الذي تعيشه قوات الاحتلال في العراق والضغط النفسي، وصارت لبنان ساحة مضطربة، واتخذ منها " محطة للتآمر على سورية ومواقفها القومية "، وأعلن الرئيس إزاء هذا التزوير والتزييف عدم التنازل وعدم السماح بتهديد الاستقرار، لأن المرحلة الحالية " بحاجة لحكمة وعقل ومرونة "، وتدعيم الشرعية الدولية بوصفها ميثاق الأمم المتحدة، " أما الفوضى الدولية فهي ارتكاز القرارات على بعض المصالح وبعض المزاجات لعض المسؤولين في هذا العالم، وعلى هذه الدول، وعلى هذه القوى، وعلى كل إنسان في هذه المنطقة "، ويقوم دعم الشرعية الدولية على المقاومة والصمود لمنع الفوضى الدولية
ب ـ ضرورة التعاون الدولي المستمر بعيداً عن المصالح الخاصة، بتطبيق المواثيق والقوانين الدولية، ونفي استخدام مجلس الأمن لأهداف خاصة، ونفي الضرار بمصالح الشعوب والأمم وارتباطها بمصالح أوربا وأمريكا، ودليل ذلك ما حصل في الماضي 11 أيلول في نيويورك: " تفجيرات مدريد، تفجيرات لندن، ما يحصل في اندونيسـيا، ما يحصل في الأراضي الفلسـطينية " (حديث الرئيس إلى التلفزيون الفرنسي القناة 3، 6/12/2005)
ج ـ تحسين العلاقات الدولية مع العرب والمسلمين، ومنها العلاقات الفرنسية والأمريكية مع سورية تجنباً للضغط والمصالح الأجنبية، وقد صار معروفاً أن الدولة مهمة بالنسبة للاستقرار، ومكافحة الإرهاب، وتحقيق عملية السلام، بما يفيد في الوقت نفسه إيقاف عمليات تسييس العلاقات الدولية، ومنها التحقيق الذي أفضى إلى المحكمة الدولية. أما اتهام سورية ومهاجمتها وشتمها فلا يخرج عن التسييس الأمريكي، " هذا كلام غير منطقي، ولا يمكن تبريره، فكما قلت القضية قضية سياسية بامتياز " (28/12/2005، حديث الرئيس لمحطة سكاي نيوز التركية)
د ـ ترسيخ العلاقات الدولية بالتفاهم والتعاون والتواصل الإنساني والحضاري، مثال ذلك تطور العلاقة مع تركيا في سائر المجالات الاقتصادية والسياسية والتنسيق الأمني والعلاقات الاجتماعية الطبيعية التاريخية
ومن المأمول أن يستند الترسيخ إلى المواثيق الدولية، وليس الاتهامات والمصالح الخاصة والحسابات الضيقة والإقليمية في غير محلها، " ومع تغير الظروف الدولية وانقلاب الوضع الدولي ليس ضد سورية فقط، وإنما ضد لبنان وضد الدول العربية بشكل عام، فمن الطبيعي أن ينقلبوا مع التيار الدولي، لأن هؤلاء جزء منه بالأساس، وليسوا جزءاً من الحالة الوطنية أو القومية " (حديث الرئيس لجريدة الأسبوع المصرية 9/1/2006)
أضاء الرئيس مفهوم العروبة الحضاري، على أن العروبة لا تعني العرب وحدهم، وتستثني الأكراد أو غيرهم من التقسيمات العرقية، والعروبة لا تتنافى مع وجود ثقافات وقوميات أخرى، ولا تنفصل عن الإسلام والمسيحية، لأن " العروبة هي التي تربط بين الجميع، وتوحّد الجميع "، ولا ينقطع أمن دولة عربية عن أخرى، وينبغي في الوقت نفسه مجاوزة الاستغلالات الشخصية والمصالح الذاتية المسيسة من إضرار هيمنة الخارج إلى عمالة فتن الداخل، على أن المقاومة الخارجية تتوحد مع المواجهة الداخلية
إن سبعة أعوام من إدارة الحكم والصراع من أجل الوطن والأمة في خضم مخاطر النظام الدولي الجديد المتماهي مع الهيمنة الأمريكية برهنت عن الحكمة الحية والبصيرة الثاقبة في مواجهة خلل التوازن القائم والمتفاقم في هذا النظام الدولي الجديد.
ثانياً ـ مقاومة الإرهاب:
شهد عهد السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد تجدد العزيمة على مقاومة الإرهاب المتمثل في الكيانية الصهيونية المتحالفة والمدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من لغة السياسة الرسمية التي تحكم علاقات الدول عادة، فقد كشفت إسرائيل العنصرية والنازية والعدوانية عن وجهها القبيح أكثر من أي وقت مضى خلال الأعوام السبعة، بل إن أحداث 11 أيلول 2001 في نيويورك وواشنطن تفاقمت من شراسة الاحتلال والعدوان والهيمنة، في ظل التغطية على العرب والإسلام تضليلاً للحقائق وتزييفاً للوعي، حتى غدت الولايات المتحدة محرّكة لمحور الشرّ في العالم.
كان الرئيس واضحاً وصريحاً بدافع الشفافية والمصلحة القومية في إعلان مواقفه المبدئية الثابتة إزاء تسمية الإرهاب وفاعليه وعلاقاته المختلفة وأساليب مواجهته، فوصف أعمال إسرائيل الإجرامية الدموية ضد أبناء شعبنا في فلسطين باسمها، إذ «يثبت لنا يوماً بعد يوم بما لا يدع مجالاً للشك، عجز قادة إسرائيل عن إخفاء طبيعتهم العنصرية العدوانية، بل إنهم تجاوزوا هذا إلى حدّ الإعلان عنها أسلوباً معتمداً في التعامل مع العرب، وما تغيير الأسلوب الإسرائيلي في القمع من إطلاق الرصاص الحي على الأرجل، إلى التسديد مباشرة على الرأس والصدر، إلا دليل واضح على رغبة عارمة لدى الإسرائيليين في القتل ثم التخطيط لها مسبقاً، وعلى أعلى المستويات» (من كلمة سيادته في مؤتمر القمة العربية ـ القاهرة ـ 21/10/2000).
فضح الرئيس الإرهاب الإسرائيلي المنظم وممارسة داعميه الذين يقلبون الحقائق جهاراً بقوله في كلمته أمام مؤتمر القمة الإسلامية (قطر 12/11/2000):
«الإسرائيليون يقتلون...والعرب والمسلمون يتهمون بالإرهاب ومعاداة السامية ـ مع معرفتهم الأكيدة بأننا ساميون وسابقون على غيرنا من الساميين. هم يستحقون مبادئ حقوق الإنسان...ونحن نُدان وتوصف باللاإنسانية والمتخلفين. ومن ثم يشتمون النازيين القدامى، ويمارسون نازية جديدة لم نقرأ عن مثلها في التاريخ».
ومضى الرئيس في تعريته للإرهاب ومصدّريه، ثم جاوز ذلك كلّه إلى أهمية فهمه بالنسبة إلينا، ولاسيما ارتباطه بالأداء الوطني والقومي، فقال في حديثه إلى جريدة «الشرق الأوسط» العربية اللندنية بتاريخ 7/2/2001):
«مفهوم الإرهاب طرحته أمريكا، وهو لا يعنينا بالشكل الذي طرح. نحن نفرّق بين الإرهاب والمقاومة. وعلى كل الأحوال هذا الوضع هو عبارة عن أداة ضغط، ولكنها غير فعالة. نحن نتابع الأداء الوطني والقومي، ولا نربطه بهذا المفهوم أو بغيره».
طالب الرئيس بمواجهة التطبيع وتفعيل النضال القومي ضد أشكال العدوان كافة، وبإعادة الاعتبار لقرار الأمم المتحدة الذي عّد الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، «فبالطبع لا ننسى أهمية تطبيق أحكام المقاطعة العربية لإسرائيل بإيقاف كل أشكال التعاون والتعامل معها من قبل الدول العربية لأي سبب وبأي ظرف حتى تخضع لشروط السلام كلّها وتقوم بتطبيقها» (من كلمته في مؤتمر القمة العربية ـ عمان 27/3/2001).
ولعل كلمته الترحيبية بقداسة الباب يوحنا بولس الثاني عند زيارته دمشق بتاريخ 5/5/2001 هي الأكثر مواجهة للإرهاب الإسرائيلي المتأصل في تحليل تاريخي، وراهن في الوقت نفسه:
«وأنتم يا صاحب القداسة تجسّدون بوجودكم على الكرسي البابوي في روما قمة المسؤولية في الحفاظ على القيم. خاصة أن هناك من يسعى دائماً لتكرار رحلة الآلام والعذاب مع كلّ الناس، فنرى إخوتنا في فلسطين يُقتلون ويُعذبون. ونرى أن العدل ينتهك... فتحتل أراض في لبنان والجولان وفلسطين، ونسمعهم يقتلون مبدأ المساواة عندما يتحدثون عن أن الإله خلق شعباً متميزاً عن الشعوب الأخرى».
تابعنا بتقدير كبير لمواقفه تلك الهجمة الغريبة الموالية للصهيونية أو المدافعة عنها استجابة لادعاءات إسرائيل الباطلة، حين ساءهم وصف العذاب الذي يتعرض له الفلسطينيون في فلسطين بعذاب السيد المسيح:
«وما قمت به هو تشبيه عذاب السيد المسيح بعذاب الفلسطينيين لكونهم يقتلون يومياً، وتُهدم بيوتهم وغيرها من الإجراءات القمعية. كانت النتيجة أن قام المسؤولون الإسرائيليون فوراً بحملة على هذا الخطاب، وادّعوا بأنه هجوم على اليهود» (من حديث سيادته لمجلة دير شبيغل الألمانية بتاريخ 8/7/2001).
وعزا سيرورة الإرهاب الذي يكاد دولياً ضد العرب والإسلام إلى الخلل القائم في النظام الدولي الجديد الذي يشيع سياسته الهيمنة الأمريكية إزاء «غياب التوازن في عالمنا الحالي، وهذا التوازن المقصود ليس بالضرورة ذا طبيعة اقتصادية أو عسكرية، بل هو توازن قيم وأخلاق ومفاهيم، هو توازن عدل وإنصاف بين الشعوب والأمم، بين الغرب والشرق، بين الشمال والجنوب» (من كلمة سيادته في مؤتمر القمة الإسلامية ـ قطر بتاريخ 12/11/2000).
طالب الرئيس أمريكا على الدوام بعملية ترميم لموقفها المنحاز لإسرائيل، و«لا يمكن أن تقوم بهذا الترميم من دون قرارات أو إجراءات غير منحازة لإسرائيل وحيادية ترتكز على مبادئ مدريد وعلى قرارات مجلس الأمن 242و338» (من حديث سيادته في المؤتمر الصحفي الذي عقد في دمشق بحضور الرئيس مبارك بتاريخ 15/1/2001).
أكدت سورية باستمرار إدانتها للإرهاب بأشكاله كافة، ونادى الرئيس إلى التضامن مع الشعوب الأخرى في مواجهة العمليات الإرهابية التي تستهدف أمنها واستقرارها، كما هي الحال مع إعلان هذا الموقف مع الجانب الروسي في عدم جواز ربط الإرهاب بثقافة أو ديانة محددة، وفي ضرورة تنسيق الجهود الدولية للتعامل الفاعل مع هذه الظاهرة المتعلقة (من كلمته في مأدبة العشاء التي أقامها الرئيس فلاديمير بوتين تكريماً له 26/1/2005).
وانضمت سورية إلى الاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب المعتمدة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع تحفظها على أحكام الفقرة ب من البند أ من المادة 2 فيها حيث أن الجمهورية العربية السورية تعتبر أن أعمال مقاومة الاحتلال الأجنبي لا تندرج في عداد الأعمال الإرهابية (القانون رقم 5 للعام 2005 تاريخ 3/4/2005).
لقد اشتد الإرهاب الدولي ضد العرب والمسلمين ضمن اضرار الهيمنة والتسييس الدولي لمصالح هذه الدول الغربية المستهدفة للوجود الوطني والقومي، ورأى الرئيس الإرهاب في الدول العربية باسم الإسلام أو سواهم لا يخرج عن " سياسة النعامة التي تطمر رأسها في التراب لكي لا ترى الحقيقة، الخطر أو الخطأ الأسـاسي الذي يؤدي إلى الإرهاب في العراق هو أولاً الحرب الخاطئة، ثانياً، الأداء السياسي الخاطيء في إدارة أمور العراق من قبل القوى المحتلة، وهذه التهمة لسورية هي لإلقاء اللوم على طرف آخر لكي لا يتحملوا المسؤولية بكل بساطة " حديث الرئيس للتلفزيون الفرنسي القناة 3، 6/12/2005)
نوضح آفاق ورؤى مقاومة الإرهاب في سياسة الرئيس وفكره القومي والإنساني:
أ ـ خلل تسمية المقاومة عند العرب بالإرهاب، كما هي الحال في العراق ولبنان والسودان وفلسطين على سبيل المثال، ففي العراق يزداد الإرهاب الخارجي مع الداخلي بتأثيرات الحروب، وفي لبنان يلقى اللوم على سورية بينما الإرهاب من تداخلات الخارج مع الداخل في العنف والقتل والدماء والتفجير والتدمير، وأنتشر ذلك في سورية في نهاية سبعينيات القرن العشرين وأوائل بدايات الثمانينيات بفعل الأخوان المسلمين المناهضين لجوهر العروبة والإسلام، " وهناك تيارات أخرى مشـابهة غير الإخوان المسلمين تؤمن بالعنف والإرهاب، ربما اعتقاداً منها بأن هذا الشيء يخدم الإسلام، طبعاً لا يوجد إرهاب إسلامي، لأن الإرهاب ينفصل عن الإسلام " (حديث الرئيس للتلفزيون الروسي 12/12/2005)
توسعت رؤى الرئيس لانتشار الإرهاب في العالم كلّه، في نيويورك وفي لندن وفي مدريد، وهناك معاناة من عمليات إرهابية في روسيا، على " أن الكثير من الإرهابيين يتخذون ذريعة إما قضية دينية، أو قضية سياسية "، والمفيد هو تحقق " شبكة من التعاون وسورية، كما قلت، لديها خبرة، ولديها رغبة كبيرة بهذا النوع من التعاون "
ب ـ ضرورة مواجهة الإرهاب بالتعاون الدولي المتبعد عن التسييس وفق مصالح هذه الدول المستهدفة أو المهيمنة و " الحل الوحيد هو بالعمل السياسي وبالحوار لا خيار آخر، وثبت أن الحرب لا تحقق نتائج إيجابية حتى لو كانت تقوم بها دول عظمى وقوية " (الحديث نفسه 12/12/2005)
وتصير المواجهة ضعيفة وغير سليمة كلما دخلت في الصراعات السياسية أو الاقتصادية، وفي الحروب الثقافية باتجاه العرب والإسلام، وهناك محاولة لتشويه كل الدول الإسلامية تشويه ثقافتها وحضارتها على أساس أن كل مسلم متطرف وكل مسلم إرهابي، واعتقد بأن تركيا وسورية لهما دور مهم جداً في توضيح صورة الاسلام المعتدل والحقيقي، من هنا أرى أن منظمة المؤتمر الإسلامي مهمة في كل هذه المجالات "
ج ـ تركز الإرهاب إلى حّد كبير على المبدأ الطائفي بالدرجة الأولى، وهذا الأمر الجائر والظالم يؤدي " إلى تفكيك العراق وتدميره طالما أنها ترتكز على الأساس الطائفي " (كلمة الرئيس أمام مؤتمر المحامين العرب، 22/1/2006)
مثلما زاد التهديد ما بعد الاستعماري إلى الهجوم على الأقطار العربية، ومنها الهجوم على سورية، لأنها متمسكة بالاستقلال والسيادة، وسيبقى كلك لتأصيل لوجود وحمايته، وأكد الرئيس مراراً " أن الإصلاح يبدأ وينطلق من حاجاتنا الداخلية فقط، ونرفض رفضاً مطلقاً أي إصلاح يفرض من الخارج تحت أي عنوان أو مبرر " (الكلمة نفسها 22/1/2006)
د ـ صار الضعف الداخلي العربي ناتجاً عن مؤامرات خارجية وإرهابها، وعن قصور ذاتي تعرقل التنامي السـياسي والاجتماعي والاقتصادي ويندغم الضعف الداخلي مع أهوال الإرهاب العام ، بينما صارت إسرائيل " يوماً بعد يوم هي أبعد عن السلام بكّل شرائحها حكومات وأحزاباً وعموماً النقطة الثانية وهي نقطة جديدة وغير مسبوقة، لأن الولايات المتحدة أبعد من إسرائيل عن عملية السـلام " (حديث الرئيس في افتتاح الدورة الرابعة للمؤتمر العام للأحزاب العربية، 5/3/2006)
هـ ـ أهمية دعم مفهوم المقاومة في الثقافة والإعلام والعمل السياسي لنفي الإرهاب والتصدي لتياراته من الهزائم المعنوية والنفسية إلأى الهزائم المادية والمشـروعات الوطنية والقومية . والمطلوب هو قوة الوطن العبي وأقطاره بإمكاناته وبمكانته وقد ارتبط الإرهاب بالمعلوماتية والاستخبارات والمعارف غير الصادقة، والقضايا الأمنية غير الواقعية، مما يستدعي التعامل مع الحقائق، وليس مع مجرد الاتهامات ويقوم نفي الاحتلال على سلامة الدمقرطة من المبنى الاجتماعي العربي، " فأي ديمقراطية مسـتوردة بغض النظـر عن الإرادة خلفهـا.. ستكون فاشلة " (حديث الرئيس إلى شـبكة " بي بي اس "، 29/3/2006) ومالم تطبق هذه المعملات مع الديمقراطية، فإن المتطرفين والإرهابيين، حسب خطاب الرئيس، لا يقبلون بالآخر، و " الديمقراطية هي حول كيفية قبول الرأي الآخر "
و ـ ضرورة تحسين العلاقات العربية ـ العربية وتواصلها للخلاص من الإهاب الدولي من جهة والمحلي الذي لا ينفصم عن التحديات الأجنبية الإرهابية من جهة أخرى
ولا تسلم هذه الضرورة إلا بالحوار الحضاري، مما ينبغي، برؤى الرئيس، أن يكون الحوار مع أمريكا مباشرا، وأن تكون القدرة " على الحوار مع كل العالم " (حديث الرئيس لصحيفة الحياة اللبنانية، 27/6/2006) .
لا يماري أحد في وضوح مواقف الرئيس وصلابتها ومبدأيتها الثابتة في الحفاظ على المصالح القومية المهددة من الإرهاب الدولي المنظم الذي توغل فيه الكيانية الإسرائيلية من عولمة الولايات المتحدة، وإنّ سبعة أعوام من إدارة الحكم والصراع لشهادة حقة على الثقة والأمل في مستقبل عربي أفضل على الرغم من اشتداد المحن وتوالي النوائب.
من أقوال السيد الرئيس

كلمة تعهد تعني إنجازاً معيناً ضمن زمن محدد، وعند انتهاء هذه الفترة الزمنية عليك أن تسأل ما الذي تم إنجازه؟ ما طرحته أنا في الواقع هو منهج.. هو منهج تفكير.. يحتوي على أهداف عامة ترتبط بمستقبل الوطن. وبالتالي فمنهج التفكير بحاجة لمنهج عمل موازٍ لتحقيق تلك الأهداف.


الدكتور عبد الله أبو هيف